ذهبٌ ودمٌ في السودان

08 نوفمبر 2025
+ الخط -

تبدو الحرب الأهلية الجارية في السودان وكأنها تجري في كوكب آخر. لا أحد يكترث بها أو يبذل جهداً كافياً من أجل وضع حدّ لها. دمّرت العمران والمؤسّسات التي بنتها الدولة نصف قرن، وشرّدت الملايين داخلياً، ونحو دول الجوار، ولم يتحرّك الاتحاد الأفريقي، ولا جامعة الدول العربية، ولا الأمم المتحدة، لإنهاء المأساة. ثمّة عجزٌ عن وقف المجازر المتنقلّة، بل هناك تواطؤ واصطفاف من أطراف دولية وإقليمية ذات مصالح في إدامة النزاع الدموي بين قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمّد حمدان دقلو (حميدتي).
تقف أهداف صريحة وواضحة وراء استمرار الحرب، وهناك أخرى خفية وغير مُعلَنة. ويدرك الرأي العام أن بعض الأطراف المحلّية ليست سوى أدوات لجهات خارجية مستفيدة من هذه الحرب الدامية التي يُعدُّ الصراع على الذهب أحد أسبابها الرئيسة، إذ يحتلّ السودان المركز الثاني في إنتاج المعدن الأصفر على مستوى القارّة الأفريقية، بنحو 90 مليون طنّ، وبقيمة تصل إلى خمسة مليارات دولار. ومعروف أن شركات التعدين علّقت أنشطتها في السودان مع بداية الحرب، باستثناء شركة مروي غولد التابعة لقوات مجموعة فاغنر الروسية، التي واصلت تشغيل مناجم تديرها بدعم من حميدتي في المنطقة التي يسيطر عليها هو وعائلته. وسبق لشبكة سي أن أن الإخبارية أن وثّقت تهريب "فاغنر" ما يُقدَّر بنحو 32.7 طنّاً من الذهب السوداني بقيمة 1.9 مليار دولار تقريباً بين فبراير/ شباط 2022 والشهر نفسه من العام الموالي (2023). وأشارت تقديرات الحكومة السودانية قبل انفجار النزاع العسكري بين حميدتي والبرهان إلى أن ما يتراوح من 50 و80% من الذهب المُنتَج في السودان يُهرّب إلى الخارج عبر دولة أفريقيا الوسطى، التي تتمتّع "فاغنر" فيها بنفوذ كبير على الحكومة.
صراع مُعلَن بواجهة محلّية وتمويل خارجي، على المصالح والنفوذ والثروة التي يتمتّع بها هذا البلد، كما يشكّل السودان بسواحله على البحر الأحمر محلّ أطماع جهات عديدة، إقليمية ودولية، تسعى إلى أن يكون لها قواعد بحرية، وموطئ قدم تنطلق منه لتعزّز وجودها في القارة الأفريقية بأسرها، والمنطقة العربية أيضاً. وبالتالي، ليست غاية روسيا، أو غيرها من الأطراف الإقليمية والدولية، أن ترى هذا أو ذاك ينتصر في الحرب الأهلية، ويحسمها لصالحه، أو أن ينجح مشروع التحوّل الديمقراطي؛ لأن استمرار الحرب، والحكم الاستبدادي، يسهّل التربّح من مناجم الذهب واليورانيوم وموارد الطاقة والإمكانات الزراعية الهائلة، بالإضافة إلى إنشاء قواعد بحرية في بورتسودان.
تتحمّل أطراف خارجية مسؤولية أساسية في تغذية الحرب، وإطالة أمد النزاع وتعقيده، إلى حدّ يتعذّر فيه إيجاد أرضية تفاهم بين طرفيه الرئيسيَّين. وتثير المعارك الدائرة في إقليم دارفور المخاوف من احتمال تقسيم البلد إلى أكثر من جزئَين. وفي ذلك كلّه، تتحمّل الأطراف المحلّية كافّة المشاركة في الحرب وغير المشاركة، مسؤوليةً أساسيةً في انفجار النزاع وعدم العودة إلى منطق العقل، وإلى التعامل بوطنية لحقن الدماء ووقف التدمير، وإلى انتهاج سبيل المصالحة السياسية والاحتكام إلى المرجعيات المشتركة التي قادت إلى إنهاء حكم الرئيس السابق عمر البشير، أو على الأقل التوصّل إلى هدنة تتيح للمهجّرين العودة إلى ديارهم، وإعادة إعمار ما دمّرته الحرب المجنونة. ومن هنا، تشكّل دعوة الاتحاد الأوروبي إلى وقف الحرب بارقة أمل، جاءت بعد المجازر المروّعة التي ارتكبتها قوات حميدتي في مدينة الفاشر، ولكنّ المبادرة الأوروبية لن تعرف النجاح، ما لم تجد رافعةً إقليميةً قويةً، ترعى حلّاً سياسياً، يضمن وحدة السودان وسيادته، وتحدّ من دور الأطراف الخارجية التخريبي.

شاعر وكاتب سوري من أسرة العربي الجديد
شاعر وكاتب سوري من أسرة العربي الجديد
بشير البكر
بشير البكر كاتب وشاعر سوري من أسرة "العربي الجديد" ورئيس تحرير سابق
بشير البكر