رسالة إلى أهلي
(ياسر صافي)
سوف يُمسي هباءً كل هذا الغضب والعنف والخوف والألم، سوف يُمسي زبداً ذات يوم ويختفي ما إن يحاول أحدكم الأحد الإمساك به كي يعيد إنتاجه. عشتم في هذه البلاد منذ آلاف السنين، لم تخونوها يوماً، لم تساوموا عليها، لم تغادروها، انتقلتم فيها من مكان إلى آخر كلما طوردتم أو لوحقتم. وفي كل مكان كنتم تصمدون وتقاومون وتحاولون زرع الحياة كشجر الزيتون الذي لا تملكون ثروة غيره، كشجر السنديان الذي تدفنون موتاكم تحته فيخضرّ أكثر ويتمسّك بتربته أكثر خشية فقدكم، فتعودون ثانية إلى الحياة في نسغ السنديان وفي أوراقه الخضراء وفي ثماره الفريدة.
استثمر بكم نظام الأسد حتى النهاية، أخذ شبابكم وثكل أمهاتكم ويتّم أبناءكم وبناتكم، دفعتم أثماناً باهظة طوعاً أحياناً وأنتم تظنون أنكم تدفعونها في سبيل الوطن، وكراهيةً أحياناً كثيرة حين لم تكن أمام أبنائكم فرص الاعتراض أو الهرب. كانوا يساقون نحو قتال إخوتهم في الوطن، ويوضعون بين خيارين لا ثالث لهما: قاتل أو مقتول، أما الشبّيحة منكم فكنتم أول ضحاياهم، وكنتم أول الخائفين منهم. عشتم في الخوف، واستثمروا خوفكم وفقركم وعوزكم، وأدخلوكم التاريخ من بوابة السلطة من دون أن يتركوا لكم قيمة الاختيار، نزعوا عنكم هذه القيمة، ثم تركوكم مثقلين بأخطائهم وجرائمهم، بعد أن خرجوا هم من هذه البوابة القاتلة محمّلين بوهم العظمة وبحلم العودة إلى مكانٍ لم يعد يطيق أثرهم.
يحاول بعضهم اليوم إلصاق كل جرائم الماضي بكم، يحاولون تصويركم مجرمين، يحاولون التغاضي عن كل من ارتكب الجرائم غيركم، لتكونوا أنتم ضحيّتهم الوحيدة، المستضعفة التي يسهُل استباحتها لإكمال نشوة النصر، يطالبونكم بما لا تقدرون عليه ولا يتركون لكم فرصة الاعتذار، فالاعتذار والإقرار بما عليكم من مسؤولية هو بناء في الوطن والمستقبل وسحب لذريعة يضعونها يومياً لاستباحتكم، وهم مأخوذون بوهم "النصر العظيم" الذي لا ينتشي سوى بمزيدٍ من الضحايا، من دون أن يدركوا أنهم أيضاً ضحايا سابقون ولاحقون، وأن هذا الذي هم فيه إن لم يتوقف فسوف يعيد سيرة الدم السوري التي لن توفرهم مجدّداً، ففي حروب الوطن الواحد إما أن ينتصر الوطن أو ينتصر الخراب، وكأن درس الخمس عشرة سنة الماضية لم يكن كافياً لهم، ليته يكون كافياً لكم.
أفكر في أهل قريتي، قرانا كلها، كانت دائماً مفتوحة على الفرح والحب والسلام والفن والإبداع، أتذكّر حكايات عائلتي عن الماضي، أتذكّر بعض أفراح الماضي قبل أن يكتمل مسخ كل شيء، الأغاني الخاصة التي كانت تغنّى في الأعراس، أنواع الرقص الشعبي، الدبكة، الكرم الذي لا يحدّه لا فقر ولا فاقة، الاحتفال بالأعياد التي تتوزّع على أشهر سنة كاملة، وتشترك مع أعياد الآخرين، تلك الطقوس بالغة الفرح والغيرية والترحاب والطيبة، الطقوس التي منعها نظام الأسد، كما منع عنكم أن تكونوا مواطنين طبيعيين في وطنٍ تحوّل كل من فيه إلى ضحايا أو إلى أعداء يحتمون بهوياتٍ تُبعدهم عن الوطن حد الافتراق.
أكتب لكم لأن هويتي البيولوجية هي هويتكم، ولأن الكتابة صرخة عامة بقدر ما هي ذاتية: نحن أبناء الجبال حيث الشمس والهواء والخضرة، حيث المدى لا يحدّه شيء، حيث ينبت الإبداع كما ينبت الشيح. سوف ينتهي ما يحدث الآن ذات يوم. وحتى ذلك الوقت، استثمروا ذواتكم، أعيدوا إنتاجها، تخلصوا نفسيّاً من الإرث القاتل ومن الأوهام القاتلة. مستقبلكم هو ما تصنعونه حاضراً وما تعترفون به من أخطاء الماضي، الاعتراف بالأخطاء لا يعني الانتحار، وصناعة القادم لا تعني الانفصال عن الواقع؛ اتركوا لأبنائكم القادمين ما يصونهم من الخراب: العلم والمعرفة والفن، لا يوجد مُنقذٌ لهم وسط هذا الخراب العميم سوى هذا، الثأر والحقد والضغينة هي وصفة لإباداتٍ متكرّرة، العلم والفن هما وصفة مديدة للنجاة. لستم ملائكة ولستم شياطين، أنتم بشر عاديون، لكنكم تملكون قناعات تعينكم على البقاء والتجاوز، والتجاوز يعني فهم الهوية البيولوجية وصهرها ضمن هوية الوطن.
سوف يطالبونكم بتغيير هويتكم، وسوف ترفضون محوّلين تلك الهوية إلى قارب نجاة لكم ولغيركم. أكتبُ لأنني أفكر بمستقبل لنا، لا يقوم على المظلوميّة، بل على الصلابة المنتجة للحياة، وأنتم أبناء الحياة.