روسيا... حرب لا تُذكر ومجتمع تحت الرقابة
في شريط وثائقي، توقفت سيدة مسنّة أمام لوحة إعلانات مهترئة في أحد شوارع مدينة لم يذكر اسمها تملأ شوارعها الثلوج، قرأت اسمًا مألوفًا. كان اسم ابن جارتها، شاب لم يتجاوز العشرين، قُتل في الجبهة الأوكرانية. نظرت حولها، ثم مشت بصمت، من دون أن تنبس بكلمة. لم يكن الحزن غائباً عن ملامحها، بل كان الخوف يعلو عليه. يلخّص هذا المشهد القصير بدقة الحالة التي يعيشها المجتمع الروسي اليوم: حرب قائمة، لكن لا أحد يتحدّث عنها. موتى يسقطون كل يوم، من دون أن تُذكر أسباب موتهم. مجتمع يتألم، لكنه لا يصرخ، فالصراخ قد يُفسَّر خيانة.
منذ فبراير/ شباط 2022، تحولت الحرب على أوكرانيا إلى واحد من أكثر الموضوعات المحظورة في روسيا الحديثة. لا يُسمح بتسميتها "حرباً" أصلاً، بل "عملية عسكرية خاصة"، مصطلح تقني يفرغ الحدث من معناه ويُبقي الألم بعيداً عن الوعي الجمعي. الإعلام الرسمي يردّد الخطاب ذاته، والمعارضة باتت أثراً بعد عين، والمواطنون لا يملكون سوى الصمت.
بعد إعادة انتخاب فلاديمير بوتين لولاية جديدة في مارس/ آذار الماضي (2024)، بهامش انتخابي تجاوز 87%، بدا واضحاً أن النظام السياسي لم يعد يقبل أياً من أشكال الاختلاف. الانتخابات، التي وصفتها المعارضة والغرب بأنها شكلية، أنتجت حكومة متماسكة أكثر من أي وقت مضى. في المقابل، تزداد قبضة الدولة على الحياة العامة. أصبحت المراقبة جزءاً من الروتين اليومي: في المدارس، في أماكن العمل، وحتى في المحادثات الخاصة. الأجهزة الأمنية، مدعومة بشبكة من "المتطوعين المدنيين"، تراقب وتبلغ وتخنق كل أشكال المعارضة، حتى لو جاء في هيئة تعليق عابر على وسائل التواصل.
هناك جيل كامل من الشباب نشأ في ظل إعلام مُوجَّه، وتربية تُعلّم الطاعة لا النقد، ومناخ عام يخلو من السياسة كما لو كانت ترفاً محظوراً
وسائل الإعلام المستقلة حُظرت أو أُجبرت على الهجرة، ومنصّات مثل فيسبوك وإنستغرام باتت خارج متناول المستخدم الروسي. وحده تطبيق تليغرام ما زال يشكّل متنفسّاً محدوداً، وإن كان مراقباً بدوره. هناك فقط، تظهر أحياناً تعليقات خافتة تعبّر عن قلق، أو تنعى شابًاً قُتل في الجبهة، أو تسأل بصوت مرتجف: "إلى متى؟". لكن حتى هذه الأسئلة لا تجد صدى. كذلك تغيب السياسة عن النقاش العام تماماً، فالناس منشغلون بمشكلاتهم اليومية: الغلاء، البطالة، الروتين. والموت، عندما يزورهم، يُستقبل بصمت. لا احتجاج، لا مسيرات، لا شعارات. فقط زهور توضع عند النُّصب، وأمهات يذرفن الدموع بهدوء، ثم يقلن إنهن "يدعمن العملية العسكرية"، خشية العواقب.
لا يعيش المجتمع الروسي في جهل، بل في إنكار مدفوع بالقمع. يعرف الناس أن ما يجري ليس طبيعيّاً، لكن التجربة أثبتت أن الاحتجاج مكلف، وأن الكلام قد يكون أخطر من السكوت. حتى وفاة المعارض الشهير أليكسي نافالني لم تحرّك سكون الشوارع، واكتفت شبكات التواصل بتأبينه بصمت. لم يعد السؤال المطروح: هل هناك معارضة؟ بل: هل ما زالت هناك قدرة على التعبير أصلاً؟ قضت الدولة على كل المساحات العامة، ومنعت كل أشكال التنظيم السياسي خارج عباءتها. السياسة أصبحت تهمة، لا ممارسة. وحتى الحديث العادي عن الحرب بات جريمة.
ورغم ذلك كله، لا يعني الصمت القبول. بل قد يكون مجرّد قشرة رقيقة تخفي تحتها توتّراً عميقاً، قلقاً متراكماً، وربما غضباً مؤجّلاً. وفي غياب أدوات التغيير، تبدو أي محاولة لكسر هذا الجمود محفوفة بالمخاطر، وربما محكوماً عليها بالفشل. فهل يستمر هذا الصمت إلى ما لا نهاية؟ أم أن نقطة التحوّل ستأتي يوماً، من حيث لا نتوقع؟ في الوقت الراهن، تبدو روسيا وكأنها تعيش في عالم موازٍ، عالم تُخاض فيه حرب حقيقية، لكنها تُروى بعبارات تقنية، وتُنسى سريعاً، ويُمنع الخوض في تفاصيلها. الجواب ليس واضحاً، لكن ما يبدو مؤكّداً أن المجتمع الروسي اليوم يمر بلحظة مفصلية، حيث الصمت لا يعني الرضا، والسكوت ليس علامة على القبول، بل قد يكون ردّ الفعل الوحيد الممكن في زمن لا يُسمح فيه بالكلام.
المجتمع الروسي اليوم يمر بلحظة مفصلية، حيث الصمت لا يعني الرضا، والسكوت ليس علامة على القبول
لا يقتصر الصمت في روسيا اليوم على الخوف من العقوبة فحسب، بل أصبح نمطاً من أنماط التكيف النفسي مع واقع لا يملك المواطنون أدوات تغييره. هناك جيل كامل من الشباب نشأ في ظل إعلام مُوجَّه، وتربية تُعلّم الطاعة لا النقد، ومناخ عام يخلو من السياسة كما لو كانت ترفاً محظوراً. في الجامعات، لا يُشجَّع الطلاب على التفكير الحر، بل يُلقَّنون الرواية الرسمية كما تُلقَّن الحقائق العلمية. في المناهج، تغيب المفاهيم الحقوقية، وتحلّ محلها شعارات عن "السيادة الوطنية" و"العدو الخارجي".
وفي هذا الفراغ، يزدهر الخوف، وتتآكل الثقة، حتى داخل العائلة الواحدة، فقد أصبح من المألوف أن يتجنّب الناس الحديث في السياسة أمام أقاربهم، خشية أن يكون أحدهم ناقلاً الكلمة إلى جهة أمنية. لم يعد القمع خارجيّاً فحسب، بل تسلّل إلى العلاقات اليومية، فتآكلت الروابط، وخبا النقاش، وتحوّل الحذر إلى فضيلة.
ورغم كل هذا الانكماش، لا يمكن إنكار أن تحت هذا الركود يكمن قلق حقيقي. شيءٌ يشبه البركان الخامد: لا صوت له الآن، لكنه موجود، وقد ينفجر حين تتغيّر الظروف، فالمجتمعات، وإن صمتت طويلاً، لا تقبل أن تعيش إلى الأبد في الظل.