سقط الأسد ولم تتشكّل الدولة
كان سقوط الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 أمراً مُشتهى منذ تولي حافظ الأسد الحكم عام 1970، وليس مع هروب وريثه فقط. كان لزوال بشّار نكهةٌ خاصّةٌ، بعد أن دمّر المدن وقتل قرابة مليون سوري وهجّر الملايين. كان بقاؤه وسقوطه أمرَين يتعلّقان بتوافقاتٍ دولية، ولكن قبل ذلك نزع الشعب السوري بثورته كل شرعية عنه، وصار لا بدّ من إسقاطه. لعب فريد المذهان وأسامة عثمان، وفريق قيصر، دوراً في إغلاق الطريق أمام تعويم بشّار الأسد من جديد، وأحكم قانون قيصر العقوبات على نظامه، وكلٍّ من إيران وروسيا أيضاً. تكرّرت الاحتفالات طوال عام من هروب الأسد، وآخرها الاحتفال بذكرى عملية ردع العدوان (27 نوفمبر/ تشرين الثاني إلى 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024). يحقّ للسوريين ذلك الفرح الخلاصيّ كلّه. لكن هذا العام كان الأول في امتحان سلطة الرئيس أحمد الشرع كذلك. ما الذي تحقّق؟ وهل هناك بدايةٌ جادّةٌ للانتقال إلى دولة تمثّل طموحات السوريين؟
سيطرت خلال هذا العام هيئة تحرير الشام وحلفاؤها من الفصائل، وبعض الملتحقين بها، على السلطة والدولة معاً، فوضعت شخصياتها الأساسية في كامل مفاصل الدولة، وهناك "واجهات" وُضِعت مع الوزارة الثانية في مارس/ آذار الماضي، بسبب ضغوط دولية وإقليمية، لكنّ هؤلاء لم يكونوا فاعلاً حقيقياً، وليسوا في موقع يتيح لهم طرح سياسات أو أفكار تُصوّب (أو تُعدّل) سياسات السلطة الجديدة، بما يعزّز من مكانتها. من حيث المبدأ، تمرّ سورية بمرحلة انتقالية، لكنّها اقتضت، بعد ثورة شعبية وحرب مُدمِّرة وتدخّلات دولية طوال 14 عاماً، مصالحة وطنية. وكان لا بدّ لكي تنجح المصالحة من عدالة انتقالية، وهو ما يستدعي الركون إلى شخصيات وطنية جامعة، وتحقيق قدرٍ معيّن من الإجماع السوري، وعدم استبعاد أيّ جماعات سورية، سيّما أن بين هذه الجماعات مسافات من اللاثقة والشكّ العميق، وخيارات مختلفة منذ عام 2011. وبالتالي؛ كانت سورية أمام خيارَين: استئثار هيئة تحرير الشام بالسلطة والدولة، وهي أحد أطراف الصراع قبل هروب الأسد، أو الدعوة إلى عملية سياسية تشاركية وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254. والآن صار لدينا القرار 2799، وهو يدعو إلى العملية ذاتها.
اختار الشرع، وهو أبرز شخصية في الفصائل التي دخلت دمشق، تمكين هيئة تحرير الشام والمتحالفين معها. كانت السنة المنقضية هي سنة التمكين عبر مؤتمر النصر، ثمّ الحوار الوطني، ثم الإعلان الدستوري. ويبدو أن المجلس التشريعي سيكون، وفقاً للإعلان الدستوري، في السياق نفسه، فهناك مادة تؤكّد دوره الوظيفي "الاستماعي" في التشريع، لا مساءلة السلطة التنفيذية، وبالتالي تصبح الأخيرة مطلقةَ اليدين في فعل ما تشاء.
الأخطر، استمرار الجفاء الكامل بين السويداء ودمشق، وكذلك تجاهل الأخيرة الاحتجاجات السلمية للعلويين منذ أسابيع
ما الذي تحقّق بالأدوات العسكرية للسلطة مثلاً؟ هل هناك جيش وأمن عام يمثّلان كل السوريين؟ لم تحدث عملية اندماج حقيقية فيهما، ولم يُصار إلى الاتفاق مع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) كذلك، وما زالت السويداء تبتعد عن الدولة السورية التي لم يُمثَّل فيهما العلويون. والأسوأ أن هذا الجيش وأمنه يبدوان عاجزين أمام تقدّم الدولة الصهيونية وإعلاناتها المتكرّرة بإخلاء محافظات الجنوب السوري كلّها من السلاح. هنا تصبح المصالحة الوطنية شرطاً لمواجهة الاحتلال الصهيوني وسياساته المُعلَنة في تفتيت سورية واحتلال أقسام واسعة منها. وباحتلال الجنوب، تتهمّش كثيراً قيمة السيادة الوطنية ومعناها. أصبحت الدولة الصهيونية تحدّياً مركزياً أمام السلطة، فهي لا تهدّد تشكّل الدولة فحسب، بل تهدّد السلطة نفسها مباشرة. وهناك ما يُشبه الشرط الأميركي، ويتحدّد بالسير نحو اتفاق أمني ومعاهدة سلام، للانفتاح أكثر فأكثر على دمشق. وكان أمراً محزناً أن يحتفل الجيش السوري الوليد في أغلبية المحافظات السورية، والعدوان الصهيوني على بعد أقل من 30 كيلومتراً من دمشق. فهل يتضمّن هذا الاحتفال رسالةً أن سورية لن تصمت عن احتلال الجولان والتمدّد اللاحق؟... ربما.
لم يحصل أيّ تقدّم في قضية العدالة الانتقالية، وراكَمت السلطة، عبر مجزرتَين في الساحل والسويداء، العقبات أمام تحقّقها. صار تأخّرها يعادل وضع الطوائف والعشائر والقوميات قبالة بعضها، وترك المنتقمين للقتل العشوائي، وهذا يهدّد السلطة ذاتها. وبعيداً من المجزرتَين، كادت مدينة حمص أن تغرق في الدم بسبب حادثة جنائية أراد القاتل من خلالها إحداث فتنة طائفية ليهرب من جريمته. وكادت قرى وادي النصارى أن تدخل في حرب إثر عمليات انتقامية وجنائية عدّة. وهناك مناوشات مع "قسد"، ولا يبدو أن اتفاق 10 مارس بين قائد هذه القوات مظلوم عبدي وأحمد الشرع يسير نحو تجاوز القراءات المختلفة بينهما. وبالتالي؛ هناك تجييش بين الطرفَين، والأسوأ هو التجييش الإعلامي وبثّ الكراهية، وقد تجلّى ذلك في رفض "قسد" الاحتفالات بالخلاص من الأسد، وتهجّم بعض تلك الاحتفالات على الكرد وقيادات في "قسد". والأخطر، استمرار الجفاء الكامل بين السويداء ودمشق، وكذلك تجاهل الأخيرة الاحتجاجات السلمية للعلويين منذ أسابيع، ورفضهم القاطع الانجرار خلف ألاعيب تدبّرها بعض الشخصيات المحسوبة على الأسد، من أمثال رامي مخلوف أو اللواء كمال حسن وسواهما.
تغيير السياسات شرط أساس للاستقرار، والمدخل عبر الاستعانة بالخبرات الوطنية
هناك أيضاً سياسات اقتصادية تؤدّي إلى تحكّم قلّة من أنصار السلطة بمفاصل الاقتصاد كلّها، وعدم تبنّي حتى الاقتصاد الحرّ، كما تزعم السلطة منذ مجيئها إلى دمشق. هذه السياسات تهدر أصول الدولة عبر خصخصتها، ولا تحمي الصناعات أو الزراعة، وتسمح بالاستيراد، وهو ما يدمّر الاقتصاد. كذلك، هناك تخلٍّ عن دعم الخدمات العامّة، فقد حُرّر سعر الخبز والغاز المنزلي، ورُفعت تسعيرة الكهرباء، وكذلك أسعار الاتصالات الخلوية، بينما لم ترتفع الأجور إلّا على نحوٍ هزيل، من قرابة 30 دولاراً إلى 65 دولاراً أو أكثر قليلاً. وهناك تباين بين موظّفي إدلب وموظّفي بقية المدن السورية، إضافة إلى الإدارة الذاتية الكردية المستقلّة مالياً. وبالتالي؛ هناك يقين بفشل هذه السياسات وازدياد أعداد الفقراء وسوء أحوالهم، وهو ما سيؤدّي بالضرورة إلى مشكلات اجتماعية وأخطار أمنية كبيرة، وكثير من الانتهاكات اليومية، إضافة إلى الأسباب الطائفية والانتقامية التي أشرنا إليها.
هل تؤدّي مجمل السياسات أعلاه إلى البدء بتشكّل الدولة والاستقرار في العام الثاني للخلاص؟ أبداً. إنّ تغيير السياسات شرط أساس للاستقرار، والمدخل إلى البدء هو عبر الاستعانة بالخبرات الوطنية في المجالات كلّها، وبدءاً بالدعوة إلى مؤتمر وطني عام، أو ما يماثل دوره، لمناقشة كيفية تشكيل هذه الدولة، والإعلان عن توقيت زمني للبدء بتطبيق العدالة الانتقالية، والتوقّف عن الاستمرار في السياسات الاقتصادية التي تجعل السلطة مقطوعة الصلة عن أغلبية السوريين، كما يتطلّب الأمر البدء بالرأسمالية المحلّية الصناعية والتجارية، والعودة إلى دعم الزراعة والعاملين في مجال المواشي. ولا بدّ أيضاً من مبادرة وطنية تُعطى لشخصيات وطنية لإدارتها، ولاستعادة الثقة مع العلويين والدروز بصفة خاصّة، وتكون مطلقة الصلاحية في الوصول إلى حلّ شامل يمنع المزيد من التفكّك والتفتّت الذي تستهدفه الدولة الصهيونية.
لا تبدو سياسات السلطة مهتمةً بما ذُكر، ولا بما قاله العشرات من المثقّفين السوريين والاقتصاديين، بل وحتى الدول المتدخّلة في الشأن السوري، الداعمة للسلطة منذ هروب بشّار الأسد، تدفع في هذا الاتجاه. وبالتالي؛ صار هذا الجمع يخشى على مستقبل سورية في حال استمرار السياسات ذاتها.