سورية في طريق التعافي
تسير سورية اليوم على طريق معافاتها، وإن لم تصل بعد إلى شاطئ آمن بالمعنى الفعلي للكلمة. صحيح أنها تخلّصتْ من عتلة كبرى أزيحتْ من طريقها، أي سقوط رأس النظام السابق، الذي شكّل رحيله حدثاً مفصلياً، ولعلّه جاء ضرورةً موضوعيةً، وتهيئةً لا بدّ منها لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، والمرجو لها أن تجيء تشاركيةً وفق عقد اجتماعي مُتفاهَم حوله بين القوى السورية السياسية والاجتماعية. وسواء كان هذا العقد مكتوباً أو متفقاً عليه، عليه أن يراعي الخصوصية السورية، وأن يأخذ بالحسبان ما عاناه السوريون، وما يحتاجونه اليوم من مراكب توصلهم إلى برّ الأمان، للانطلاق من جديد بقوة وسلاسة. وبغضّ النظر عن الطريقة التي سقط بها الرئيس السابق، أو رحل بسببها، يحتاج الواقع السوري اليوم تنمية شاملة ودائمة، لعلّها تحتاج، قبل البدء فيها، إلى قراءة عميقة ومتأنية للوضع السوري الشامل، والأخذ بالحسبان ذلك التنوّع، أو ما حدث وينغّص في هذه الناحية أو تلك، والعمل لإيجاد سبل مناسبة تعيد البناء على غير صعيد. ولعلَّ البدء يكون بالسياسي الذي يمكن أن يوفّر نوعاً من وحدة القوى السورية، سواء من طريق تفاهمات سياسية أو اجتماعية أهلية. والأكثر أهميةً أن يجيء من خلال قوانين تسمح بعمل سياسي ووطني هادئ يضع سورية في سكّة السلامة، وصولاً إلى برِّ الأمان.
يكون بناء الوطن بزرع روح المواطنة الجامعة بعيداً من كل أشكال الطائفية أو الاستبداد
لقد سارت الأحوال السورية على منوال واحد 50 عاماً، وظلّت تحت سقف واطئ محكوم بديكتاتورية أوصلت المجتمع إلى شلل تام، فتوقّفت خطوط تنميتها، وكانت قد بدأت خلال مرحلة الخمسينيّات، وعَرَجَتْ أيام الوحدة السورية المصرية تحت شعار المساواة بين الإقليمَين، ثمّ توقّفتْ بعد انقلاب حزب البعث عام 1963، خلال بداياته وصراعاته التي قادت، في نهاية المطاف، إلى الركود التام. وعلى الرغم من استقرارها النسبي في السبعينيّات، ظلّ القرار السياسي فردياً، وظلَّ تحت ارتفاع حدّة الشعارات التي لم تلقَ في الواقع نصيباً لها، وزاد الشعب خيبةً أنها ترافقت مع حالات من الفساد استشرت وتعمّقتْ، لتنتهي إلى تحول مال الدولة ملكيةً فرديةً تخصُّ الرئيس وزوجه، وحواشيهما... وهكذا كان الرحيل، بل الهروب، وفق ضرورات موضوعية تطلّبَها المجتمع السوري، لا من ترف، بل فرضته الحياة ذاتها لتمكين المجتمع من العبور إلى الأمام بسلام. وأيّ تنمية تتطلّب هدم القديم المتبقّي عثرةً في طريق تنمية الأحوال السورية، أي نظام الحزب الواحد، والفرد الواحد، ومن ثمّ الأسرة الواحدة. لذلك، كان الخلاص من نظام ديكتاتوري يتطلّب ثورة حقيقية، فهو يعود، في عمقه وأبعاده، إلى العهود الإقطاعية بأشكالها ومعانيها كافّة. فقد خلَّف وراءه جموداً في حياة المجتمع وتنميته الطبيعية، الأمر الذي يقتضي القطع مع الماضي، وأساليبه الضيّقة، وذلك بفتح نوافذ للحرية ومتابعة السير إلى أمام. وهذا ما حدث مع مجيء العام 2011، أي حين بدأت هبّة ما عُرف آنذاك بالربيع العربي، ولعلّها لم تؤثّر في المجتمعات العربية بنسب واحدة، بل بحسب حاجة تلك المجتمعات إلى التنمية وسبلها، خاصةً تلك التي واتتها ظروفها المناسبة للتغيير، وطلباً للنمو والارتقاء. وقد كانت التنمية في سورية ضرورةً موضوعيةً بعد حكم إقطاعي استمرّ نحو 50 عاماً، تولّته أسرة لا جذور لها في عمق المجتمع السوري.
السؤال اليوم كيف النهوض؟ وإلى من اللجوء للخلاص من حالة الركود التي شملت الأحياء والأشياء؟ وما طبيعة الدولة التي تحتاجها سورية اليوم؟ وإذا ما افترضنا أن عامل "الربيع العربي" هو ما أسقط دولة الرئيس الأبدي، وأسرته المالكة، على الرغم من أنَّ سقوطه جاء بفضل قوى تغييرية، فمن أين البدء؟ وكيف؟... تقول البداهة إنه إذا كان النظام السابق فردياً، وقد حوَّل الدولة بكاملها ملكيةً خاصةً هو صاحبها، فالأمر الطبيعي أن يجري الالتفات إلى إعادة بناء الدولة وفق أسس سليمة، تتوافق مع روح الدولة المعاصرة بشكلها المؤسّساتي، فتقوم على أساس عقد اجتماعي تشاركي، طرفاه الرئيسان: الشعب والدولة.
يحتاج اتخاذ مثل هذا القرار شجاعة، ومشاركة فعلية في القرار الاقتصادي، وإذا كان الأمر داخلياً، لا بدّ من المشاركة النسبية في القرار السياسي أيضاً، فلا مجال للفصل الكلّي بين الاثنين، فكلاهما يسيران جنباً إلى جنب، ومصلحة بلادنا تتطلّب الاثنين معاً، وسورية غنية بالخبرات داخلياً وخارجياً، والكل جاهز للمشاركة في إعادة بناء سورية. وإذا كان أمر المشاركة الاقتصادية مفهوماً، فكيف تكون المشاركة السياسية؟ فلا أحزابَ سياسيةً، ولا إعلامَ حرّاً، ولا أيّاً من شروط الديمقراطية السياسية موجود أو مسموح به.
يمكن للعدالة الانتقالية أن تفتح الباب أمام مصالحات وطنية تلتئم من خلالها جراح كثيرة أحدثتها فوضى سادت فترةً قصيرة
والسؤال المهم اليوم: هل غدت سورية بخير بعد ذلك الرحيل؟ لا تنبغي الإجابة جزماً بنعم أو لا، فالتحرّر من الاستبداد لا يعني بالضرورة بلوغ الحرية، كما أن سقوط الفرد المتسلّط لا يفضي مباشرةً إلى قيام نظام الحرية والعدالة الاجتماعية. فالأنقاض التي يخلّفها نظام كهذا تكون ثقيلة، فهي تخصُّ بنية دولة ومجتمع. وفي هذا المجال، يمكن إيجاز القول إنه ما لم تُستبدَل عقلية المشاركة بعقلية الوصاية، وما لم تُبنَ دولة القانون والمؤسّسات على أنقاض دولة الأمن والمخابرات، لن تبلغ الثورة غايتها في البناء المأمول. لقد دخلت البلاد بعد السقوط مرحلةً انتقاليةً حرجة، تداخلت فيها الأطماع الإقليمية والدولية مع الانقسامات الداخلية، فاختلطتْ المطالب المُحقَّة بالرهانات السياسية، وضاعتْ البوصلة في خضم الدماء والدمار. ومع ذلك، لم تمُت بذور الوعي التي زرعها الحراك الشعبي، بل ظلّت كامنةً في عقول السوريين، خصوصاً لدى الذين أدركوا أن بناء الوطن لا يكون بالثأر ولا بالانتقام، بل بالعدل والسلام على أسس واضحة، وبزرع روح المواطنة الجامعة، وبناء دولة القانون والمواطنة بعيداً من كل أشكال الطائفية أو الاستبداد، مع مراعاة وجود إرادة سياسية مستقلة تضع المصلحة الوطنية أولاً. ويمكن توفير نوع من العدالة الانتقالية لإنصاف الضحايا، تفتح الباب أمام مصالحات وطنية تلتئم من خلالها جراح كثيرة أحدثتها فوضى سادتْ فترةً قصيرة. ولعلَّ ما يمكّن من ذلك عمل اقتصادي جدّي يُصلح ما خُرِّب، ويُنمّي ما يمكن تنميته فوراً في مجالَي الزراعة والصناعة. ولا بدّ من أن يترافق ذلك مع ثقافة نقدية بروح وطنية جديدة تُعيد بناء العقل السوري بعد عقود يمكن وصفها بالتجهيل المُتعمَّد. ذلك كلّه لا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال تشاركية شعبية في القرار والإدارة، تشاركية فعلية لا تقوم على المحاصصة... ذلك كلّه يتطلّب وعياً سورياً جديداً يؤسّس دولةً مدنيةً عادلةً ومستقرّةً بحريتها.