ضدّ هذه الحرب الإسرائيلية

02 مارس 2026   |  آخر تحديث: 04:00 (توقيت القدس)
+ الخط -

صحيحٌ أن لدونالد ترامب، بشخصِه، أغراضَه من الحرب التي أشعلها على إيران بمعيّة رصيفه نتنياهو، إلا أنها حربٌ إسرائيليةٌ في جوهرها. والقولُ في موضعِه تماماً إن التطابق بين نوازع المذكوريْن، في غير مسألةٍ، مقلقٌ للعالم... لم نعُد في الجدل ما إذا كانت إسرائيل تقود السياسة الخارجية للولايات المتحدة في شـأن المنطقة والإقليم، وإنما صِرنا أمام حالةٍ نادرة المثال، من حيث صعوبة العثور على تمايزاتٍ حقيقيةٍ بين المقيم في البيت الأبيض ورئيس حكومة دولة الاحتلال. وإيران أم القضايا لدى هذا الثنائي الصلف والخطير. يريد ترامب أن يكون الرئيس الأميركي الذي أنهى صداع النظام في هذا البلد، إنْ لم تصلُح ذريعة الملفّ النووي فثمّة غيرُها، فقد يُجدِي هنا استخدام "حرّية الشعب الإيراني". كما أن مفاوضاتٍ غير مباشرة قد تنفع في إيهام من يُراد إيهامُه بأن خيار التسوية لم يأت بالمُراد، فاندفعت مقذوفاتُ الصواريخ إلى حيثُ جرى التخطيط لضربها من مواقع ومنشآت، وإلى حيثُ من تم التدبير لقتلهم، قبل هذه المفاوضات التي أعقبتها الحربُ التي نرى، وأصابت وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، وهو الذي كان وسيطاً صبوراً، بالذهول، على ما قال بصراحةٍ وخيبةٍ مشهودتين. أما نتنياهو فيرى أن تدمير غزّة وإضعاف حركة حماس ووضعها تحت المجهر الدولي، وإنهاك حزب الله وقتل قائده حسن نصر الله، وتخويف المنطقة من شراسة سلاح الجو الإسرائيلي، وإقامة علاقات تطبيع (وتحالفٍ) مع عدّة دول عربية، يرى أن "إنجازاته" هذه لا ينبغي أن تكون بتراء، وأن تتويجَها بقتل خامنئي وقيادات عسكرية واستخبارية وسياسية وازنة في طهران، مع تدمير القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية، وتهيئة ما أمكن من ظروفٍ تهزّ النظام هناك وتجعله في مهبّ السقوط، أمورٌ قد لا يكون المضيُّ فيها متاحاً إذا لم يكن ترامب في البيت الأبيض.
لم يكن رؤساء الولايات المتحدة من أسلاف ترامب، منذ جيمي كارتر، أقلّ منه رغبةً في إيران أخرى غير التي استجدّت بعد الثورة التي اكتملت في 1979، وإنْ سلَك أوباما خيار الحوار المباشر وتغليب أولوية التفاهم. ولم يكن أسلاف نتنياهو في تل أبيب أقلّ منه شهيةً للاعتداء على إيران وقياداتها. ولكنها النزعةُ العدوانيةُ المتماديةُ لدى الأخير، وهو الذي ظلّ الشأن الإيراني شديد المركزية في مشاغله وحشاياه، التقت مع الشخصانيّة النرجسيّة المتفاقمة لدى الرئيس الأميركي الذي يعتنق أن الولايات المتحدة لا يليقُ بها أن تتردّد في قرار إزاحة أي سلطةٍ في الأرض تقيم في خارج دوائرها، فالفعل الذي نجح في كاراكاس يمكن أن ينجح شبيهٌ به، على كيْفٍ ما، في طهران. أما أكلاف الجموح المشهود لدى كل من الرجلين فمقدورٌ عليها، فأياماً قبل أن ندخل في العام الجديد (2026)، وقّع ترامب على ميزانية قياسية لوزارة الحرب، 901 مليار دولار، بزيادة 15 مليار عن سابقتها، وذلك في سبيل المضي في تنفيذ عدّة أهداف، أوّلها "السلام من خلال القوة". وفي عُرف الرجل الأصفر، ليس غير القوّة ينفع من أجل أن يُحرز العالم السلام الذي لا يجوز أن تفوت جائزة نوبل بشأنه طريقها إلى هذا الرجل. وفي دولة الاحتلال والعدوان، زادت ميزانية وزارة الحرب للعام الجاري عن سابقتها قبل جرائم الإبادة في غزّة 15 مليار دولار.
ليس في الوُسع أن يحسِم واحدُنا أي سيناريو ستتدحرج إليه الحربُ النشطة في المنطقة، وإنْ قد يشجّع الزهو الأميركي الإسرائيلي بقتل خامنئي المستويين السياسيين في تل أبيب وواشنطن على الدفع بالخيار العسكري إلى أقصى مدىً يمكن أن يحقّق ارتجاجاً في النظام في طهران يقرّب أجله. ولأن هذه الشراكة معلنةٌ بين دولة الإجرام والاستيطان وإدارة ترامب التي تُشهر عداءها ضد فلسطين وشعبها، ولأن نواتج حربٍ من هذا النوع، إذا ما حقّق المعتدون أغراضهم منها، بالغة السوء على الأمتين، العربية والإسلامية، فإنك يلزم أن تناهضها وتصطفّ ضدها، بالدرجة نفسها الذي يلزم أن تكون ضد استباحة إيران سيادات غير دولةٍ عربية، وبالمنزلة نفسها التي تتمنّى فيها للشعب الإيراني الخير والسلام والنظام السياسي الذي يريد.

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.