عصر جديد من المكارثية والأوليغارشية الإعلامية
(Getty)
تسهّل التكنولوجيا الجديدة بصورة مطّردة (ومستمرّة) النقاشات والاستخدامات، مع توقّعات بأن يكون تأثيرها مصدر إلهام وتفوّق في العمل الإعلامي، بالإشارة المتكرّرة إلى "القوة الناعمة" القائمة على مبادئ نظام عالمي تحكمه السلامةُ الإقليمية والسيادة وحقُّ تقرير المصير، والضوابط والتوازنات في القانون الدولي التي تراكمت عقوداً. لكنّها تستعدّ اليوم لخسارة أجزاء كاملة منها لصالح سياسات مشوبة بعدائها تجاه مفهوم العلاقات المتبادلة، وأخرى تقف عائقاً أمام الصناعة الإعلامية التزاماً قيميّاً بشأن المستقبل، ما يوفّر رافداً بشرياً مساعداً عندما تحدث الأزمات؛ لا باعتبارها تمرّداً على الأممية الليبرالية في أفق غير واقعي، وما يشهر الهيمنة الأوتوقراطية على العالم.
يكتفي الرأي العام بالصمت والمراوغة والتمتمة على أساس أن الديمقراطية صارت غير فعّالة، والإجماع بالخوف بأنه ليس أمام العالم الحقيقي غير خيار التكيّف مع الشركات التكنولوجية الكبرى بهيكلها الهرمي، والتخلّي عن الحكومة الديمقراطية أو الدولة البيروقراطية، وباعتبار الاحتكار التكنولوجي هو قمّة النجاح. فيقع العالم تحت سطوة أيديولوجيا "التنوير التكنولوجي المظلم" والحركة الرجعية الجديدة المضادة للديمقراطيات الحديثة والمساواة والمحاسبة؛ إذ تدعو إلى أشكال من الملكية المطلقة، وإنشاء مدن رأسمالية استبدادية، ومن خلال "أتمتة" الحرب المصمَّمة فعلياً لقتل الناس من دون تردّد ومن دون قيود أخلاقية في غزّة وأوكرانيا ("فيوجن" إيلون ماسك في الجمع بين الذكاء الاصطناعي والصواريخ والإنترنت الفضائي والاتصالات المباشرة مع الأجهزة المحمولة جزءاً من البيانات المدارية للأقمار الصناعية).
ليست الديمقراطية أو القيم هي التي تمنع المؤسّسات الإعلامية من العمل بفعالية في المجتمعات الحرة، بل هو صراع بين قوى تعمل خارج نطاق سيادة القانون، حوّلت الفضاء الرقمي ساحةَ ضغط حقيقي يثير مخاوف لدى الأوساط السياسية والقانونية. ولم يسبق، تحديداً في تاريخ الولايات المتحدة أن عرّفت الإعلام على نحو أكثر فئوية أو عنصرية، ولا أن تندمج العوالم كلياً مع آراء الرئيس دونالد ترامب وسخريته ورؤيته النرجسية للعالم، ومواقفه المعادية للديمقراطية. وهذا أمر يعيد رسم خريطة العالم باسم مفهوم شامل للمجتمع السياسي.
يقع العالم تحت سطوة أيديولوجيا "التنوير التكنولوجي المظلم" والحركة الرجعية الجديدة المضادة للديمقراطيات الحديثة والمساواة والمحاسبة
خلال تكريمٍ للناشط والإعلامي الأميركي، تشارلي كيرك، جرى التذكير بمبدأ حرية التعبير الأساسية في التقاليد الليبرالية، ولدى أولئك الذين يتعاملون معها بوصفها قيمة مطلقة في أوروبا والعالم، إذ تتعرض هذه الحرية للقيود السياسية والقانونية والمالية، سواء في التهديدات التعريفية أو الانتقال إلى أوليغارشية تكنولوجية قد تبتلع الديمقراطية أداةً مباشرة لممارسة السلطة، في ظل إمبراطورية قومية ضيقة الأفق حطمت الأوهام عند معجبيها الأوروبيين (كأن يصير إخضاع أوروبا أكثر أهمية من جزيرة غرينلاند نفسها).
هذه "القوة الناعمة" كانت موجودة عندما كانت الولايات المتحدة تزوّد الدول الفقيرة بالأدوية والمعلومات. أما العالم الذي يُدعى له اليوم فهو نموذج متطرّف لاندماج السلطة التقنية والسياسية والإعلامية بين التحريرية المطلقة وميول استبدادية، ما يضع التكنولوجيا فوق المؤسّسات الديمقراطية التقليدية في حركة عنصرية علمية، وفي اندفاعة قوة تفاجئ الجميع لصالح سلطة أوتوقراطية تنفيذية فردية على حساب السلطتَين التشريعية والقضائية.
لقد أعاد ترامب تعريف التواصل السياسي والإعلامي في العصر الرقمي في البيت الأبيض لمخاطبة الداخل الأميركي والعالم الخارجي مع منصته "تروث سوشيال"، في كسر الحالة التعدّدية والهيمنة على جميع المرجعيات الأكثر انتشاراً عبر الحصول على البيانات، والإعلان عن سياساته وتحديد المواقف منها، أو التعليق على القضايا الدولية أداةً لتفاعلات مباشرة تحمل رسائل سياسية موجّهة مباشرة إلى حكومات وقادة دول، أحياناً بغرض إثراء نفسه ومجموعته، وحتى في إعلانات حرب تحدث تحوّلات كبيرة؛ كما في حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أو تهديدات الدول الأوروبية، أو توجيه انتقادات لقوى كبرى مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية، أو نشر صور تهكّمية في انقلاب أدوار غير مسبوق في العلاقة بين السلطة والإعلام.
فوضى إعلامية مصمّمة في صعودها لتعزيز النفوذ السياسي والمالي والإعلامي في آن واحد
فوضى إعلامية مصمّمة في صعودها لتعزيز النفوذ السياسي والمالي والإعلامي في آن واحد، ولاستبعاد الآخرين في معزلٍ عن مخاطر نشر معلومات مضللة أو محتوى غير موثوق قد يؤدّي إلى ارتباك في فهم السياسة الخارجية وتعميق الاستقطاب الداخلي. وقد أصبحت حرية التعبير قضية اقتصادية ضخمة لدى شركات التكنولوجيا المالية الكبرى في الدفاع عن مبدأ الحرية، ليس بدافع فلسفي أو أخلاقي، بل لأنه يتماشى تماماً مع نموذجها الاقتصادي القائم على التدفق الحرّ للمعلومات والأرباح، فضلاً عن تأثير دبلوماسي يعيد تشكيل ملامح السلطة في المجتمعات الأخرى. لذلك لم يعد النقاش حول حرية التعبير يقتصر على أنه نقاش حقوقي أو فلسفي أو ثقافي، بل أصبح كذلك معركةً اقتصاديةً وجيوسياسية بين نموذجَين متعارضَين، إذ تُربط الحرية مباشرةً بالسوق والمصالح التجارية لقلة من المليارديرات الأميركيين وبعض المنافسين الآخرين. وهي تؤدّي إلى عواقب سياسية واجتماعية ونفسية، إذ يواصل ترامب حملته الهجومية على الإعلام.
ويرى مراقبون أن هذه المواجهة تعيد إلى الأذهان أجواء "المكارثية" في خمسينيّات القرن الماضي، حين صوّرت الصحافة والمثقّفين أعداءً داخليين، فيستخدم أيّ شيء ذريعةً لتصعيد الهجمات على وسائل الإعلام عبر الدعاوى القضائية والخطاب الشعبوي. لكن الاستراتيجية تحمل مخاطر أيضاً؛ فالمعارك القضائية مع كبريات الصحف ترافقها ضغوط سياسية على شبكات التلفزيون التي فضّلت أحياناً التسوية لتجنّب المحاكمات الطويلة، كما هجوم ترامب على البرامج التلفزيونية الساخرة مثل Saturday Night Live أو العروض الليلية التي يقدّمها ستيفن كولبير وجيمي كيميل. وقد تتحوّل الأمور منصّةً تكشف تفاصيل محرجة على غرار صدمة فضائح جيفري إبستين، التي تدفع مسؤولين للاستقالة من مناصبهم في دول عدّة.
تبرز الحاجة إلى تعاون وسائل الإعلام وأن تعود إلى مهنيتها لتكون سلطةً مستقلّةً عن الأوليغارشية
الأمر لم يعد يتعلّق بالشيوعية، بل يتعلّق بـ"هؤلاء الآخرين"، في إشارة إلى مجموعة واسعة من الأعداء: خليط واسع من الأكاديميين اليساريين، والإعلام الليبرالي، والنّخب الثقافية، والأساتذة، والطلاب، والجامعات، والأقلّيات، مروراً بالمهاجرين وخصوم سياسيين؛ في انحراف قمعي وسلطوي. وفي حين أن المكارثية الأولى انتهت، يخشى كثيرون أن المكارثية الجديدة أكثر تعقيداً وخطورة؛ لأنها تعتمد على الانقسامات الثقافية والعرقية والسياسية العميقة في المجتمع الأميركي وغيره. فتستغل منصّات التواصل الاجتماعي لنشر الخوف وإسكات الأصوات المعارضة، مثل اعتقال صحافيَين في لوس أنجليس، هما دون ليمون وجورجيا فورت، بينما كانا يغطيان احتجاجاً كان يهدف إلى التنديد بالإجراءات الأمنية والاعتقالات التي أدّت إلى وفاة أشخاص على يد الشرطة الفيدرالية والهجرة، كما ألقى تهديد ترامب برفع دعوى قضائية ضدّ هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بظلاله على مستقبلها جرّاء تحرير خطاب مقتبس من العام 2021. وأصبح من النادر أن نرى في كبريات الصحف أو القنوات التلفزيونية تنوّعاً حقيقياً في الآراء السياسية داخل غرف التحرير. وقد حاولت بعض الشخصيات في هذا الوسط القيام بإصلاحات محدودة، مثل باري فايس في شبكة CBS وجيف بيزوس في صحيفة واشنطن بوست.
لذلك؛ تبرز الحاجة إلى أن تتعاون وسائل الإعلام فيما بينها، وتعود إلى جذورها المهنية، وتستمرّ في بناء قواها الذاتية سلطةً مستقلّةً عن أوليغارشية ليست مجرّد تجمّع أثرياء، بل تحالف أيديولوجي وتقني يسعى لإعادة تعريف مفهوم السياسة والعلاقات الدولية والحكم والديمقراطية في العالم.