على هامش تغريدة محذوفة
وليد جنبلاط في مقابلة صحافية في منزله في بيروت (26/3/2025 فرانس برس)
"لم يعد خافياً بأنّ دولة عربية تقيم مع إسرائيل علاقات مميزة، تحاول تطويق المملكة العربية السعودية، عبر حضرموت، وتساعد في نشر الفوضى في السودان المجاور، وصولاً إلى حدود مصر الجنوبية". وليد جنبلاط، صاحب هذه الكلمات، ليس معارضاً مخضرماً لدولة الإمارات المقصودة في التغريدة المحذوفة من حسابه على "إكس"، يوم الجمعة الماضي، بعد تعرّضه لانتقادات من سياسيين وإعلاميين، غالبيتهم لبنانيون يعملون في تلك الدولة أو لمصلحتها. الأطرف كان تعليق الوزير اللبناني السابق وئام وهاب الذي عاب على جنبلاط "التدخّل بهذه الأمور"، لأنّ "للإمارات أفضالاً على لبنان كما السعودية وباقي دول الخليج". هو وهاب الذي ظلّ عشرين سنة يفاجئ نفسه بقدرته على إبقاء رِجلٍ في أبوظبي وأخرى في طهران، حتى حين كان البلدان يتحاربان بالواسطة في اليمن. وئام وهاب الذي لطالما فاجأ نفسه بقدرته على اختراع شتائم لدول الخليج، يلوم جنبلاط على التلميح إليها اليوم بانتقاد، بينما الإعلامي نديم قطيش قرّر التأكيد أنه ليس أفضل من أبواق محور الممانعة باحترافه إشهار سلاح "علاقة ما بإسرائيل يوماً ما" كلما احتاج سلاحاً كلامياً للدمار الشامل. وقطيش، عندما يتذاكى، تكون النتيجة تهافتاً من نوع أن الإمارات "لم تنتظر أن تقاتل إسرائيل عنها كما قاتلت دفاعاً عنكَ (الكلام موجّه إلى جنبلاط) في حرب الجبل لترسّخ زعامتك". وهل هناك أسهل من استخدام تلك الأحرف السبعة، إسرائيل، في كل مرة يودّ أحدهم إقناع نفسه ومريديه بأنه أفحم فلاناً وأطاح به من حلبة السجال، مثلما يفعل كثر من كارهي قطيش في كل كرنفال شتائم قذرة تُكال له؟ وحين لا يكون التخوين كافياً ولا التنقيب في الحرب الأهلية اللبنانية قبل نصف قرن، يرتقي التذاكي طابقاً إضافياً فيجد الإعلامي إياه أنّ تغريدة جنبلاط ربما ترتبط بقرب موعد الانتخابات النيابية اللبنانية وحاجته إلى تمويل سعودي أو دعم سياسي، وتتصوّر قطيش يكتب تعليقه ذاك مع غمزة عين وهزّة رأس وتمتمة من صنف: كيفني معك؟
والحال أنّ الدفاع عن وليد جنبلاط في محطات كثيرة من مسيرته السياسية، مغامرة انتحارية لا يُحسد من يقدم عليها. لكنّ الرجل سياسي منذ نصف قرن، وعلاقاته مع الخارج متشعبة، خصوصاً في دول الخليج، السعودية والإمارات خاصة، وهو حريص عليها كل الحرص، ولكن يحصل أن تصل الأمور بسياسي براغماتي مثله إلى مستوى التعبير ولو مواربة عن وضع لا اختراع للعجلة في تسميته مثلما سمّته التغريدة المحذوفة، وإن كان منسوب التقيّة فيها كبيراً إلى درجة أنه لم يحدّد الدولة المقصودة، لعلّ البعض يخالون أنه ينتقد المغرب مثلاً! وفي تغريدة جنبلاط جرعة زائدة من البداهة، مجرد وصف سعي إماراتي لمحاصرة الرياض في كل جبهة. والحق أنّ نديم قطيش وحده ربما يحاول إقناعنا بأن الإمارات لا تدعم قوات الدعم السريع الساعية إلى تقسيم السودان وانفصال دارفور عنه، وتحارب جيشاً فيه آلاف المصائب وسمات المليشيات ويعجّ بمجرمين وبمتشددين، ولكنه يبقى جيشاً لدولة لو كان التقسيم يشفيها من أمراضها، لكان مباركاً عليها، ولكن هيهات. والعثور على مقتنع بأن أبوظبي لا تدعم انفصاليي المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن ضد رجال الرياض هناك، مهمّة لا تقل صعوبة عن تصديق براءتها في السودان. ذلك كله يُقال قبل أن يصبح مصطلح "أرض الصومال" الأكثر نطقاً وطباعة على محرّك غوغل منذ قرّرت إسرائيل (وحدها بين جميع الدول) أنه دولة مستقلة، ويصدف هناك أيضاً، أن الإمارات أكبر مستثمر في تلك المنطقة، ولها قاعدة عسكرية، والصدفة وحدها تجعل من تلك العلاقة الإماراتية مع قادة أرض الصومال جسر عبور لعلاقة إسرائيلية معهم بوزن اعتراف بهم دولة في مقابل إسكان فلسطينيين لدى تهجيرهم من غزّة.
هي مجموعة ممّا يُراد أن نخالها مصادفات بريئة اختزلتها تغريدة وليد جنبلاط الملعونة عن شيء كبير يحصل بين البلدين، وقد حذفها قبل أن يكمل عبارته بنبوءة عن شيء أكبر قد يحدث قريباً.