عن أشياء لا نعرف كيف تتم

20 نوفمبر 2025

(محمد عبلة)

+ الخط -

كيف يُزوّج نجّار مسلح مثلاً بناته الخمس من يوميته، ويتحمّل محنة موت ابنه الوحيد في المحاجر من دون أن يمد يده لأحد، ويزور كل آن أخته الأرملة ويسألها عن الحال، ويشرب معها الشاي، وفي نفس الوقت يبتسم وهو أمام التلفزيون من دون أن يدري أن فستان تلك الممثلة ثمنه ما يوازي 141 ألف جنيه، وذلك من أجل لقطة في مهرجان، وفي آخر جلسته يذكر لها أنه زار المقابر منذ أسبوعين وركّب حنفيّة جديدة بدلاً من التي سرقها اللصوص، تبتسّم الأرملة وتقول: "حتى الحنفيّات بقت تنسرق؟"، فيضحك النجّار المسلح قائلاً: "ربع البلد إما تشتغل في الخردة والبلاستيك والربع التاني على التكاتك وربك يسترها"، وعند الباب تقول له: "سلّم على بناتك، لا قادرة أطلع ولا أدخل يا أحمد"، فيشير برأسه، بعد أن يسكّ لها الباب وهي تشدّ الترابيس.

يرى العبد ذلك كله، ويسمعه كل يوم، ذلك العبد الذي عليه أن يكون قريباً من الله، ويذهب إلى لجان الانتخابات صباحاً بثياب مغسولة وقلب سليم، ويصوّت في الانتخابات، وإن لم يذهب فقد كتمَ الشهادة، ومن يكتمها فقد أصبح من الآثمين، كما أفتى فضيلة الشيخ أحمد كريمة. أما أستاذ القانون الدستوري بجامعة المنصورة دكتور صلاح فوزي، فقد طرح أحدث نظرية سياسية، وهي حرمان الممتنع عن الذهاب إلى الانتخابات من الدعم، فماذا يحدث لعم أحمد مثلاً لو وجد نفسه محروماً من دعم الزيت والسكر والزبيب والزعفران، وعم أحمد بالطبع نجّار مسلح باليومية. ومن الواضح أنه في فترة عدم البناء كان يكتفي بتعويض الدولة عن عدم العمل، وما أدراك أن واحدة من بناته لم تذهب إلى الانتخابات، فجرى حرمانها هي الأخرى من الدعم، وخصوصاً الزبيب. أما إن ذهبت الخمس بنات إلى حزب "مستقبل وطن"، فكل الدعم سوف يصل إليها حتى الزبيب، خصوصاً إن كان في يدها العلم وشارة الحزب أيضاً، وعليها أيضاً ألّا تنظر إلى الكاميرا بخجل كما كان يحدث في الماضي.

أما إن ذهب عم أحمد إلى ابن عمه في آخر الشارع، وحدّثة ابن عمه عن المئتي جنيه التي أصابها قبل مغارب اليوم الثاني في الانتخابات، بعدما سلّم "البون" إلى الشاب الواقف بـ"الموبايل" على ناصية اللجنة الانتخابية، فسوف يضحك عم أحمد أيضاً ويقول له: "والله ما صدقت العفريت خميس أبو جمعة لما حكى لي الموضوع".

يشرب عم أحمد الشاي ويكلمه عن الفيزا (التأشيرة)، وهل وصلت من الرياض، فيردّ ابن عمه: "ستصل الفيزا بعد حفلة أنغام"، كما قال له المقاول من الرياض منذ يومين، يبتسم عم أحمد قائلاً: "طيب ما لها أنغام بشغل نجارين المسلح"، يرد ابن عمه بأن "كل المواضيع ماسكة بعضها"، يبتسم عم أحمد ويخرج علبة سجائره، فيجد فيها سيجارتين، يرمي واحدة في حجر ابن عمه ويشعل الأخرى ويمسح بدايات ماء ما في العينين قائلاً لابن عمه: "شفت ابني المرحوم خيري في حلم يا حسن طويل، وواقف فوق نخلتين ماسكين في بعض، واحدة فيها بلح، والتانية دكر، وأول ما شافني تحت النخلتين، قال لي أنت لسه يا أحمد تعباك الدنيا، وهز لي سباطتين، مليت حجري بلح، وبعد شوية لقيت نفسي داخل على أختي بحجر البلح، حكيت الحكاية لحميدة أختي، قالت لي ده في الجنة يا أحمد ما ينزعلش عليه".

سكت ابن عمه وعاد إلى الكلام في "الفيزا" التي تأخرت من الرياض، والسبب في ذلك. سكت عم أحمد تماماً، وبعد قليل سجّل اللاعب بن شرقي هدف "الأهلي" الأول في مرمي "الزمالك" على أرض استاد بالإمارات. فجأة رأى عم أحمد آلافاً من أصحاب الزي الأحمر في حالة صياح في تلفزيون ابن عمه، فسأل ابن عمه: "كل الآلاف دي في الملعب واللجان الانتخابية فاضية" كما قالت له أخته، فذكر له أن الجماهير فرحانة "فما لها ومال وجع الدماغ، ثانياً دول شغالين في الإمارات، خلينا في الفيزا"، فرد عم أحمد: "على رأيك".

سكت ابن عمه وأعاد عم أحمد على ابن عمه حكاية النخلتين في الحلم الذي رأى فيه ابنه المرحوم خيري فوق النخلتين، وكيف أن النخلتين كانتا تتمايلان في الهواء وفوقهما خيري، ولكن رأسه كان كبيراً وعمامته كبيرة، ابتسم حسن، وقال لابن عمه: "عمري ما شفت خيري يحط على راسه حتى طاقية، وده الستر يا ابن عمي، وربنا يستر على بناتك".