عن التحدّيات بعد رفع عقوبات قانون قيصر

25 ديسمبر 2025
+ الخط -

تحدّيان كبيران سقطا عن كاهل سورية الجديدة: سلطة بشّار الأسد وعقوبات قانون قيصر. هما شرطان، داخلي وخارجي، كانا المعوقَيْن الأبرز أمام البدء بالمرحلة الانتقالية. هل نبالغ بذلك؟ أبداً. كان عامٌ من التجريب وفهم الواقع بتعقيداته المختلفة والممتدّة عقوداً، ولا سيّما منذ 2011، وكذلك السياسات الدولية والإقليمية؛ وبالتالي يُفترض البدء بتطبيق خطّة وطنية للنهوض العام وفي المجالات كافّة. السؤال الآن: هل السلطة مستعدّة لإعادة النظر في تجريبيّتها وبراغماتيتها وسياساتها؟
ثمّة سعادة شعبية غامرة برفع العقوبات، لكن هناك أيضاً ثمانية شروط أميركية وُضعت في نصّ الموافقة على هذا الرفع، يمكن فرض عقوبات بديلة إذا لم تُلبّى. وهي شروطٌ تتيح رصداً دقيقاً لكامل ممارسات السلطة، وستُرفع تقارير نصف سنوية عنها لأربعة أعوام مقبلة. والأنكى، صدور بيان لاحق عن قرار الرفع وعن مجلس الشيوخ يؤكّد المراقبة الدقيقة لممارسات السلطة. هناك أيضاً شروط أوروبية وبريطانية تشبه الأميركية، وأخيراً فرضت بريطانيا عقوبات على ثلاث فرق عسكرية وعميدَيْن في وزارة الدفاع. وبالتالي، يجب تغيير السياسات المتعلّقة بكيفية تشكيل الجيش والأمن، وإبعاد الأجانب منهما، وتبنّي عقيدة وطنية على أسس المواطنة. وهذا وحده ما سيستقطب "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، وسيفتح المجال لإعادة السوريين، الدروز والعلويين، وعموم السوريين كذلك. وهذا مرتبطٌ بشرط أميركي يؤكّد إتاحة الحريات للأقليات الدينية والقومية. المقصد هنا أن هناك شروطاً دولية ستتحوّل إلى ابتزاز كبير على السلطة ما لم تتجّه إلى إشراك الشعب بدل إغلاق المجال أمامه. لقد رفضت السلطة فكرة الإشراك، وركّزت السلطات بيد أحمد الشرع، وهذا يتناقض مع سدّ الذرائع تجاه الضغوط الخارجية، عدا عن أن التشاركية في الدولة هي أصل كل شرعية للحكم. فما العمل؟

غياب الرقابة يفتح المجال لفساد واحتكار ثروات من “قلّة” محيطة بمركز السلطة، وهو مسار يراكم أسباب الاحتجاج بدل امتصاصها

اقتضى هروب الأسد تحقيق أهداف الثورة منذ 2011، وتجاوز الأزمات التي أورثها لسورية وللسلطة الجديدة. بدلاً من الانفتاح على النُّخب الوطنية السورية لنقاش كيفية وضع خطّة وطنية لتجاوز الأزمات، احتكرت الشخصيات القادمة من هيئة تحرير الشام (ولعامٍ بأكمله) الدولة، وكانت النتيجة أزمات جديدة، وهروباً من مواجهة الأزمات القديمة. كان يمكن تفادي عدم الاستقرار الأمني والقتل الطائفي والانتقامي، وربّما تطويق انتشار تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، عبر وضع خطّة للعدالة الانتقالية وفتح النقاش الوطني العام حولها. كان الأمر ضرورياً، وهو كذلك حالياً وفي كل وقت. وقد أدّى عدم البدء بها إلى خطاب إعلامي طائفي، وتجييش بين الطوائف، ومجازر طائفية.
رفعت السلطة أسعار الخدمات الأساسية: الخبز والغاز المنزلي والكهرباء والاتصالات، ولم تحرز تقدّماً في مجال الصحّة أو التعليم أو السكن. وهناك قرابة مليون ونصف المليون يعيشون في المخيّمات السورية حتى الآن، ولم تتراجع مستويات الفقر عن 90%. السؤال: هل يُعقل أن ترفع الأسعار في ظلّ فقر كهذا، وبحجّة تأهيل الداخل للانتقال نحو اقتصاد السوق، وكأنّ المعاناة سياق طبيعي للانتقال؟... هذا غير صحيح أولاً، وثانياً كان يجب أن يترافق ذلك مع رفع في مستوى الأجور أو وجود فرص عمل. فقد يؤدّي ذلك إلى اضطرابات اجتماعية كبيرة في أيّ لحظة، وقد شهد العام المنصرم كثيراً من الاحتجاجات الأولية.
هناك قضية خطيرة تتعلّق بالسياسات الاقتصادية العامّة، سواء بيع القطاع العام أو استقدام الاستثمارات وتوقيع مذكّرات التفاهم على قطاعات اقتصادية غير مرتبطة بالصناعة أو الزراعة أو حتى إعادة الإعمار للمدن المُدمَّرة. كان يجب أن يُدعى الخبراء الوطنيون (سواء في المجال الاقتصادي أو في سواه) إلى نقاش موضوعي وعقلاني حول هذه القضايا. لم يحصل ذلك، وليست هناك أيّ آليات للرقابة أو الشفافية أو المساءلة لمتابعة هذه القضايا، وهو ما يفتح المجال واسعاً للفساد واحتكار القلّة المحيطة بالشرع للثروات. لكن هذا سيؤدّي إلى احتجاجات.
التحديات ضخمة، وهي تشمل كل قطاعات المجتمع. وهي قديمة، والخروج منها مسألة في غاية التعقيد، وهناك دول كبيرة أخفقت في تجاوزها، كمصر مثلاً أو تونس. إن تعقيدها وشموليتها بالذات هما ما يفرض وضع الخطّة الوطنية وإيقاف السياسات العامة المُتبعة منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
نعم، هناك فرصة كبيرة للنهوض؛ فكيف ستتمكّن السلطة من استغلال الدعم الدولي والإقليمي رغم الاشتراطات؟ إنها بأمسّ الحاجة إلى التوافقات الوطنية على شكل النظام السياسي، ولا بد أن يكون ديمقراطياً، وعلى شكل الدولة، ولا بدّ أن تكون في لامركزية إدارية ومحافظاتية وسياسية كذلك. ذلك كلّه (وسواه) يتطلّب ألّا تكون السلطة والدولة محتكَرتَيْن للخاصّة القادمة من هيئة تحرير الشام والملتحقين بها.
ذكرنا بعض التحديات الهائلة أمام سلطة دمشق، وهناك بعضها يتعلّق بتغيير السياسات العامّة للدولة. وهذا شرط مركزي لتفادي الضغوط الخارجية، وفي الوقت ذاته لتشكيل الثقة المجتمعية. إذاً، هناك تنازلات كبرى لا بدّ أن تحصل لإشراك الشعب، ولا بدّ أن ترتكّز السياسات العامة للدولة في استراتيجية وخطّة وطنية. إن عقلية احتكار السلطة هي عقلية ما قبل الدولة أو دولة السلطة، وهذه تجربة فاشلة بامتياز؛ فقط سياسات إشراك الشعب تُنقذ السلطة (أي سلطة) وتتيح لها مجدّداً العودة إلى السلطة في حال انتخاب سواها.

البديل المطروح هو العودة إلى الشعب عبر التمثيل والانتخابات المحلية والنيابية والوزارية والرئاسية، بما يعيد إنتاج الشرعية على قاعدة المشاركة

لا يمكن "تسكيت" الشعب زمناً طويلاً بقضايا كالخلاف مع "قسد"، أو حكمت الهجري والسوريين الدروز، أو غزال غزال (رئيس المجلس الأعلى للمسلمين العلويين) والعلويين، أو أزمات الأمس. كذلك، من الخطأ الاستمرار باعتماد سياسات غير شعبية، كالسياسات الاقتصادية أو ضعف الموقف من التوغّل العسكري الصهيوني وسياسات تفكيك سورية أو مركزة السلطة بيد شخصيات مُحدَّدة. وغير ما ذكرنا، هناك تقارير صحافية عن إمكانية تطبيق بعض بنود اتفاق 10 مارس (2025)، وهناك لقاء الشرع مع وجهاء علويين. والسؤال: ألا يدفع ذلك إلى تبنّي خيار المحاصصة، الطائفية أو القومية؟ ولطالما كرّرت السلطة رفضها، وهي محقّة في ذلك، لكن لقاءات كهذه تؤدّي إليها بالضرورة. فهل يمكن للمحاصصة الطائفية (سيكون للأكثرية السُّنية نصيب الأسد فيها) أن تكون هي الحلّ؟ ألم تكن الأكثرية الشيعية في رأس السلطة في العراق منذ 2003؟ فهل حُلّت الأزمات المتوارثة منذ زمن صدّام حسين؟ وهل أحوال الأكثرية الأخيرة بلا مشكلات؟... لا، أضيفت أزمات جديدة، وغرق العراق في أزمات تكاد تفكّكه، رهينةً لدى الأميركيين أو إيران، وهو الحال منذ أكثر من 20 عاماً.
الطريق الوحيد لمواجهة التحدّيات على اختلاف أشكالها (وهي تتعقّد بعد مرور عام) هي طريق العودة إلى الشعب وإشراكه في مختلف أشكال الانتخاب والتمثيل المحلّي والنيابي والوزاري وحتى الانتخابات الرئاسية. وقبل ذلك، العودة إلى عقد مؤتمر وطني عام للنُّخب السورية، والتخلّي كلّياً عن مسار مركزة السلطة عبر مؤتمر النصر والحوار الوطني والإعلان الدستوري وتعيين مجلس الشعب وحصر السلطات كلّها بيد الشرع وعائلته ومحاسيبه، للعودة إلى المسار الديمقراطي.