عن ظاهرة محمّد صلاح
محمد صلاح يحتفل بتسجيله هدفا لصالح ليفربول ضد كريستال بالاس في ليفربول (25/5/2025 Getty)
اختتم النجم المصري محمد صلاح، جناح فريق نادي ليفربول، موسماً كرويّاً استثنائيّاً وتاريخيّاً، بعدما تُوِّج مع فريقه بلقب الدوري الإنكليزي للمرّة العشرين في تاريخه، والثانية له تحت مُسمّى "بريميرليج". وقد لعب صلاح دوراً محوريّاً في تتويج فريقه باللقب قبل أربع جولات من نهاية المسابقة، بالفوز على فريق توتنهام، فقدّم صلاح موسماً رائعاً وصفه النُقّاد بأنه الأفضل له مع فريقه منذ انضمامه إلى صفوف "ريدز" في صيف 2017، قادماً من فريق روما الإيطالي. وقدّم صلاح موسماً أسطوريّاً حافلاً بالأرقام القياسيّة على المستوى الفردي، اختتمه بحصد عدّة جوائز رفيعة دفعة واحدة، وحصل على جائزة الحذاء الذهبي للمرّة الرابعة في تاريخه، مُعادلاً الرقم القياسي المُسجّل باسم تيري هنري كأكثر اللاعبين تتويجاً بالجائزة في تاريخ "بريميرليج"، كما اعتلى صلاح قائمة هدّافي المسابقة متفوّقاً بفارق ستة أهداف عن أقرب منافسيه، وواصل تألّقه بالحصول على جائزة أفضل لاعب في الموسم من رابطة بريميرليج للمرّة الثانية، بعد تتويجه بها في موسمه الأوّل مع ليفربول عام 2018، لينضمّ صلاح إلى قائمة تاريخيّة من اللاعبين الذين حصدوا الجائزة مرّتَين مثل تيري هنري وكريستيانو رونالدو، كما حصل على جائزة أفضل صانع ألعاب، ليكون بهذا أوّل لاعب في الدوري الإنكليزي يجمع بين ثلاثة ألقاب فرديّة في موسم واحد.
المفارقة الطريفة أن المدير السابق لقسم الأبحاث في ليفربول، إيان غراهام، صرّح لهيئة الإذاعة البريطانيّة قبل أشهر أن المدير الفنّي السابق للفريق، الألماني يورغن كلوب، لم يكن مُقتنعاً بالتعاقد مع صلاح في 2017، رغم أن فريق تحليل الأداء كان يرى أنه أفضل جناح شابّ في أوروبا من دون منازع، وقال غراهام: "كان الرهان على محمّد صلاح جريئاً، فقد كنّا نرى فيه نجماً عالميّاً، وقد أثبت أنه لم يكن مجرّد نجم عابر، بل أصبح أسطورةً في تاريخ ليفربول، بإنجازات ستظلّ محفورة في الذاكرة". من الأهميّة بمكان تناول ظاهرة محمد صلاح من خلال صفته التي اشتُهِر بها، ألا وهي أنه لاعب كرة قدم متميّز من دون إخراجه من سياقه، أو محاولة استثمار نجاحه بتوظيفه في سياقات أخرى، وصفات لم يحاول هو أن يقدّم نفسه بها، إذ يحاول بعضهم تقديمه على أنه "داعية"، في حين يحاول بعضهم الآخر توظيفه سياسيّاً بصورة فجّة.
يصرّ بعضهم على تحويل صلاح مادّةً دعويّةً عبر وضعه في صورة "الأخ الملتزم" الذي نجح في غزو الحضارة الغربيّة
محمّد صلاح هو اللاعب المُحترف الأفضل في تاريخ الكرة المصريّة، بل في تاريخ القارّة الأفريقيّة قاطبةً، والأرقام القياسيّة التي حقّقها يصعب على أيّ لاعب تحقيقها، أو حتى الاقتراب منها، فضلاً عن محاولة كسرها في المستقبل القريب. من حقّ الآخرين أن يختلفوا مع آراء محمّد صلاح في الشأن العام، مع الأخذ في الاعتبار أنه نجم كرويّ، ففي المُحصّلة النهائيّة محمّد صلاح، وغيره من أقرانه مجرّد لاعبي كرة، حقّقوا نجاحاً رياضيّاً جلب لهم شهرةً طاغيةً، وتصدّروا المشهد الكروي بعصاميّة واستقلاليّة، منهم من اختار أن تكون له مواقف في قضايا عامّة، ومنهم من صبّ جهوده في الجانب الشخصي والمهني.
منذ بزوغ نجم محمّد صلاح حاول بعضهم الاستثمار في النجاح الذي حقّقه، عبر محاولة دفعه في الطريق نفسه الذي دُفِعَ إليه زميله محمد أبو تريكة الذي تعرّض لفترة طويلة لحملة من الأيقنة أو الأدلجة، بالمعنيَين الأخلاقي والسياسي (بصورة مُتعسّفة وأحياناً مُتنطّعة)، عبر تقديمه نموذجاً أيقونياً للاعب الكرة المُلتزِم بالمعايير الدينيّة والأخلاقيّة، ثمّ استثمار هذا النموذج بصورة سياسيّة في وقت لاحق، وتجلّى المشهد الأبرز في هذا الصدد إبّان الانتخابات الرئاسيّة في مصر في العام 2012. لاعتبارات متعدّدة اندفع أبو تريكة (بقصد أو من دون قصد) في هذا الطريق، ولعب في مرحلة معيّنة دوراً يفوق حجمه لاعب كرة، ممّا ورّطه في أزمات سياسيّة، هو في واقع الحال بعيد منها تماماً، وحاول بعضهم إعادة اللعبة نفسها مع محمّد صلاح الذي يبدو واعياً لمحاولة أيقنته أو توظيفه سياسيّاً بصورة أو بأخرى، محتفظاً لنفسه بمسافة فاصلة عن الاشتباك مع الشأن العام، إذ يصرّ بعضهم على تحويل صلاح مادّةً دعويّةً عبر وضعه في صورة "الأخ الملتزم" الذي نجح في غزو الحضارة الغربيّة وهزيمة أبطالها في ديارهم، أو في صورة الداعية الذي يقوم بالدعوة لدينه في بلاد الغرب.
أبو تريكة وصلاح نموذجان إنسانيّان رائعان، لكنّهما ليسا داعيتَين أو مُفكّرَين، ومحاولة توظيفهما في غير مجالهما هو من قبيل التنطّع
غنيٌّ عن البيان أن اللاعبَين كلَيهما (أبو تريكة وصلاح) نموذجان إنسانيّان رائعان، على درجة عالية من العصاميّة والاستقامة الأخلاقيّة، وعلى درجة رفيعة من الاجتهاد والتميّز، لكنّهما بعيدان تماماً عن المجال الدعوي أو المجال الفِكري، فهما ليسا داعيتَين أو مُفكّرَين، ومحاولة توصيفهما بأكثر من صفتهما، أو توظيفهما في غير مجالهما، هو من قبيل التنطّع، والمشكلة أن بعضهم يستهويه التنطّع في كلّ الأحوال، سواء كان في الدين أم في السياسة.
ظاهرة محمّد صلاح، الذي خرج من أعماق المجتمع المصري، وتصدّر المشهد الدولي بفضل اجتهاده، جديرة بالدراسة، وتستحقّ وقفات مطوّلة عند هذا النموذج الإنساني الذي يجسّد النجاح والصعود الاجتماعي العصامي، من دون وساطات أو محسوبيّات، ويُعيد الاعتبار إلى قيم غُيّبت وأُقصيت من الواقع المصري في العقود الماضية، مثل العمل والمثابرة، ممّا يمنح دفقة من الأمل للشباب المُثقل بإحباطات كبيرة، ويُثبت إمكانيّة تحقيق الأحلام شريطة الدخول في منظومة جادّة تقوم على احترام الموهبة وتقدير الاجتهاد، ولا تعرف معايير الطبقيّة والشلليّة، فضلاً عن توريث الوظائف العامّة إلى الأنجال والأصهار والأحفاد، وتقديم أهل الثقة ومحترفي التطبيل، حتى لو كانوا من الجهلاء والأغبياء ومعدومي الموهبة والكفاءة، وهي المعايير الخانقة للمواهب المخيّمة على الفضاء المصري في كل المجالات، يستوي في هذا مجالات يُفترض أنها ذات طبيعة جادّة، ومعايير صارمة، مثل المجال البحثي والثقافي والأكاديمي. أمّا الهزلي بحقّ فهو أن تمتد الآفة إلى المجال الدعوي، مع مجالات أخرى ذات طبيعة ترفيهيّة تقوم على الموهبة مثل المجال الفنّي، في مفارقة تاريخيّة سوداويّة بالمعنى الحرفي للمفردة.