غزّة في "ميلانيا"
يورّطك الفضول الصحافي في اقتراف فعلٍ بائس، من قبيل مشاهدة الفيلم الوثائقي "ميلانيا"، الركيك في دعائيّته المكشوفة لزوجة الرئيس الأميركي الراهن، السلوفينية المولد (1970) والطفولة، والمُبالغ جدّاً في كلفته المعلنة (لا أصدّقها؟)، فلا معنى لصرف 75 مليون دولار، ذهب أزيد من 30 مليون منها إلى جيب (أو جيوب؟) ميلانيا ترامب، على فيلمٍ بهذه العادية، يقوم على "منْتجة" مشاهد من أرشيفٍ 20 يوماً قبل حفل تنصيب ترامب العام الماضي. لا تُسعفك هذه المشاهد المُلملمة (مرّ كثيرٌ منها عليك) بشيءٍ قد يستوقفك، أو يأخذُك إلى فكرةٍ ما، إلا إذا اعتبرت تلميع السيدة الأميركية الأولى نفسها شأناً يُعتدّ به، ويستحقّ اكتراثاً منك. ولكن مسألةً تمرّ في الفيلم المذكور تستوقف انتباهةً منك، ولا شيء غيرها، تفجّعُ ميلانيا على الإسرائيليين الذين كانت المقاومة الفلسطينية تحتجزُهم أسرى لديها. ولمّا كان الفيلم كله بالغ السطحية، كما "نجمتُه" التي لا يزوّدك أرشيفها، ولا هذا الفيلم المصطنع عنها، بأنها صاحبة معرفةٍ جيدةٍ بالعالم، وشؤون شعوبه وثقافاتهم، (وليس مطلوباً منها هذا)، فإن الجهد الذي يُحاوله الفيلم في تظهير "بطلته" سيدةً معنية بالأطفال وتطوير عيشهم وتنمية مدركاتهم لا يبدو مُقنعاً، إذ يندرج ضمن "علاقاتٍ عامّة" ترويجية، ولا يخرُج عن أنشطة بروتوكولية تزاولها زوجات رؤساء في غير بلد.
تهتم ميلانيا ترامب، في تلك الأيام العشرين، بقبّعتها التي سترتديها في حفل تنصيب بعلها رئيساً عائداً إلى البيت الأبيض، وبفستانيْها في الحفل وفي سهرة عشاءٍ في اليوم نفسه. ويُفرط الفيلم في مشاهد جلسات عارضة الأزياء السابقة (في سلوفينيا وفرنسا وإيطاليا) مع مصمّمي القبّعة والفستانيْن. غير أنها، في الأثناء، تجتمع مع زوجة الرئيس الفرنسي بريجيت ماكرون (في "زووم")، لتتحدّثا في مشاريع اجتماعية، ثم تستقبل الملكة رانيا لأمرٍ شبيه، ثم بأسيرةٍ إسرائيليةٍ محرّرة، اسمُها أفيف، كانت "حماس" قد أفرجت عنها بعد 51 يوماً من احتجازها (مع زوجها ونحو 250 آخرين في موقعة 7 أكتوبر). تتحدّث هذه عن قلقلها على زوجها في الاحتجاز، وتبكي، وتقول ما تقوله عن سوء تعامل "حماس" معها ومع زوجها (أبقوهما بعض نهارٍ بلا أكل!).
يُراد انتقاء هذا اللقاء لإخبار المشاهد أن ثمّة "حسّاً" إنسانياً عالياً لدى زوجة ترامب، صاحبة البريق في الفيلم بإطلالاتها ومجاملاتها في الطائرات والمطارات والبيت الأبيض الطواقم والسكرتيرات والموظّفين والخدم والحشم. لم يجد مخرج الفيلم، بريت راتنر، المتّهم قبل تسع سنوات بسوء سلوك جنسي مع عدّة نساء (إحداها تهمة اغتصاب)، غير هذا التفصيل شاهداً على "علوّ" هذا الحسّ. ولم يريا، السيدة الأولى والمخرج المسمّى (تأتي عليه وثائق إبستين!)، في وقائع غزّة، الدامية، والتي اقترف جيش الاحتلال الإسرائيلي قي غضونها جرائم حربٍ معلنةٍ ضد الأطفال الفلسطينيين هناك، وميلانيا مهجوسةٌ بالأطفال على ما يُنبئنا حديثاها مع الملكة رانيا وبريجيت ماكرون، لم يرَيا غير هذا الدليل على إنسانيّتها. يعزّز هذا الزعم لدى صاحب هذه الكلمات أن "بطاقةً نصّية" يُختتم فيها الفيلم (الرديء كما يحسُن التكرار)، يُخبرنا نحن النظّارة (كنتُ وحدي في صالة السينما!)، بما تسمّيها "إنجازاتٍ" لميلانيا، منها أن الأخيرة "لعبت دوراً أساسياً" في تأمين الإفراج عن زوج تلك الرهينة السابقة، أفيف، واسمُه كيث سيغل، بعد 12 يوماً من حفل تنصيب ترامب.
صودف، في أثناء التهيؤ لكتابة هذه المقالة، أن ميلانيا ترامب استقبلت هذا الرجل (له كتابان منشوران)، أول من أمس الأربعاء، وشكرها على "جهودها" تلك، والراجحُ أنه شكرها أيضاً على استقبالها زوجته في "لقاءٍ مؤثر"، وعلى إبراز مسألته في فيلمٍ يعرض حالياً في أرجاء الأرض، انصرفت عليه 35 مليون دولار لتسويقه. والبادي هنا أن شغلاً إسرائيلياً نشطاً في استثمار شهرة هذه الفيلم لإرسال الرسائل إيّاها، عن "فظاعة" حركة حماس التي تحتجز زوجيْن يحبّان بعضهما. يأتي إليك هذا التخمين، وليسَ منسيّاً أن الرئيس ترامب، قال في يوليو/ تموز الماضي، إنه وزوجته تأثّرا بشدّة بصور المجاعة في غزّة، وإن ميلانيا ترى هذا مروّعاً. ومع استحسان هذا الشعور، لك أن تسأل عن سبب عدم إشهار السيدة الأولى عنه بنفسها (لم يحدُث أن سمعناها تقول أيَّ شيء عن أيِّ شيء في غير الفيلم!)، بل عدم تذييله في تلك البطاقة في مختتم الفيلم. ولك أن تقول إن ثمّة دعائيّةً إسرائيليةً في شأن غزّة حاضرةٌ في فيلم يُشاهَد في كل العالم، اسمه "ميلانيا".