"غيبة مي"... المرأة بعذاباتها الكثيرة
لعلّ أكثر ما يميّز أسلوب كتابة الروائية اللبنانية نجوى بركات تدفّق السرد وانسيابيّته، وكذلك الاقتصاد والتكثيف، والابتعاد عن فائض الثرثرة، واحتشاد النصوص بالمشاهد المتلاحقة والمشاعر المتناقضة، والقدرة على التنقّل الرشيق في الأمكنة والأزمنة، والجرأة في طرح الثيمات والأفكار، وفي تناول الشخصيات وإفساح المجال أمامها للتداعي الحرّ والتعبير والاعتراف والتطهّر، من دون تدخّلٍ ملموسٍ من الروائية الفذّة، التي لا تقلّ براعةً عن إيزابيل ألليندي وأليف شافاق وغيرهما من رائدات الكتابة الروائية، اللواتي تفوّقن بمراحل على روائيّين مُكرَّسين، وأثبتن أن الرواية حرفة نسوية بالدرجة الأولى.
تتقن نجوى بركات تحريك الخيوط والتواري بخفّة، ما يحقّق وهم الانفصال والحياد والتباعد، كما أن لديها قدرةً استثنائيةً على السرد بلغة قوية مباشرة، من دون تجميلٍ أو مواربةٍ، لغة خشنة صادمة أحياناً، لكنّها حقيقية وصادقة في جميع الأحوال. وفي روايتها "غيبة مي" (دار الآداب، بيروت، 2025)، أكّدت نجوى من جديد امتلاكها مقاليد (وأسرار) الكتابة الروائية، الحرّة والمحلّقة والشجاعة والمنفلتة من التابوهات، القادرة على إرباك المتلقّي وتوريطه في نصٍّ روائيٍّ مذهلٍ يحكي تفاصيل متشظّية من حياة "مي"، الثمانينيّة صعبة المزاج، التي تعيش وحيدة في شقّة في الطابق التاسع من بناية في بيروت، وقد رحل ولداها منذ زمن طويل إلى أميركا ومات زوجها الطبيب الحنون، تشاركها قطّة شريدة غير مرغوب فيها، فرضت نفسها وأقامت في الشرفة، وتعتني بها خادمة، تزورها مرّة في الأسبوع، إضافة إلى ناطور البناية "يوسف"، الشابّ السوري الهارب من الحرب، الذي يتقاضى من ابنيها الأميركيَّين راتباً مقابل الاعتناء بها وتلبية طلباتها.
تزجّنا نجوى بلا رأفة في الشقّة، حيث العجوز التائهة بين الأزمنة الغاضبة من كلّ شيء، متقلّبة المزاج، شرسة الطباع، الحانقة المتبرّمة طوال الوقت، وتنسلّ خارجةً (بدهاء ومكر روائي) على أطراف أصابعها، لتجعلنا نعيش عتمة "مي" وسواد أيامها الأخيرة، حتى نقع مثلها فرائسَ سهلةً بين أنياب الشيخوخة ولعنتها، من خلال تفاصيل يومية قد تبدو عاديةً من أحاديث عن طقوس صباحية، ومأكل وملبس واستحمام، وتنظيف بيت، لكنّها تنطوي على هجائيةٍ لاذعةٍ للشيخوخة، حيث خيبة الأمل وخيانة الجسد ورحيل الأحبة، والوحدة والفراغ والأرق والقلق، والتأهّب للموت.
فعلت الروائية ذلك كلّه وأكثر، من دون اللجوء إلى البكائيات والتفجّع والمبالغة أو استدرار لتعاطفٍ لا تبتغيه، قدّمت لنا شخصية "مي" كما هي خالية من الإضافات والمحسّنات والادّعاء بمشاعر أمومة فائضة أو حنين مرضي إلى زوج راحل، امرأة عاشت حياةً حافلةً، وها هي على حافَة الخَرَف، مثقلة بذكريات غامضة لمراحل منسيةٍ من حياتها الصاخبة التي باتت تلحّ عليها من خلال طيف "مي" الشابّة، تستدعيه الروائية ليتولى مهمّة القصّ، وكشف المخبوء من حياة ممثّلةٍ طموحةٍ مسكونةٍ بحبّ المسرح، مفتونة بميديا الشخصية الأسطورية، اللبؤة الجريحة، والعاشقة العنيفة التي قتلت ولديها انتقاماً من خيانة والديهما، وفريدا كالو، المبتلاة بالعشق والغيرة والمرض، ومدام بوفاري وأنا كارنينا، صريعتي الحبّ والخيانة، وقد أتيح لها تجسيد بعض تلك الشخصيات على المسرح وتحقيق الشهرة والنجاح في بيروت الستينيّات، غير أن تورّطها سنواتٍ في علاقة سامّة مع رجل نرجسي، جرحها واستغلّها وخدعها، غيّر مجرى حياتها إلى الأبد، حين أقدمت على محاولة قتله حرقاً، ما أدّى إلى زجّها في مستشفى الأمراض العقلية سبع سنوات، فقدت فيها الذاكرة، وانفصلت عن ماضيها بزواجها من الطبيب الذي أنجبت له ولدين كبرا في منأى عنها.
يختتم "يوسف" (الناطور) الرواية المكونة من ثلاثة فصول، ليلملم النصّ، ويضيء على تفاصيل إضافية عن حياة العجوز الوحيدة وعلاقته بها وقد فقدت ذاكرتها بالمطلق، وأُخرجت في النهاية من بيتها تائهةً عن حاضرها، عائدةً إلى ماضيها، اقتيدت إلى المصحّ متوهمةً أنها تؤدّي دوراً ما على خشبة المسرح.
تحية إلى نجوى بركات التي أبدعت في هذا النصّ، وقدّمت بكثيرٍ من البراعة شخصية الأب والجدّة والعمّات، كما تطرّقت إلى أحداث كبرى عصفت ببيروت مثل انفجار الميناء، وأزمة البنوك، وتردّي الحال المعيشي. وأبدعت على نحو خاص في تجسيد معاناة النساء اللواتي ينتهين وحيدات دائماً.
"غيبة مي"، هي رواية الحضور القوي المفجع اللاذع للمرأة وعذاباتها الكثيرة.