فساتين المحبّة صعبة على النسيان
(بهرام حاجو)
خيوط المحبة طويلة، ومن حريرٍ لا يتعب أبداً، حتّى وإن بعدت المسافات، خيوط أمل تمشي معك، كي تزيح بها مرارة الواقع وحساباته الأليمة ومرارة الأيام، خيوط صنعتها أنت، أو صُنعت لك كهدية، خيوط تمشي معك في كل البلدان، وسخية معك وخاصة في أحلامك التي تغسلك من وجع السنوات، كانت في الحلم تحت شجرة، وهي تتباهى بصبرها وحزنها الذي يحيرك للآن، وأنت تتباهى بأملك ونسيانك أيضاً أمامها فقط، كي تخفف عنها، وكي تهرب أنت سليماً ببقية حزنك وحيداً، ويمشي اللقاء هيناً كقطعة من حلم جميل متسامح فوق أرض الواقع.
هل كانت في حديقة بيتها الصغير تتمدّد حزينة فوق دكّة قديمة لجدٍ قديم من جدودها بالصعيد كان يجيد لعب العصا في الموالد، أم في بيت لها بعد ما تركت كل شيء واكتفت بتسجيل الأحلام، وحكت لك عن حلمك الطويل، حين رأتك تعمل في حقل للفول السوداني في الجبل، حقل مليء، حتى آخره، بالعصافير، وأنت ضحكت لأنك من أسبوعين اشتريت عصفورين يحملان معك سؤال الوحدة.
كانت كما هي في الحلم تحت شجرة، شجرة الحلم سخية جداً، في سخاء وعدها، وفي سخاء ابتسامتها، حتى وإن خرجت منها بمرارة غير مصطنعة أبداً، هل الحلم ابن الحقيقة أكثر من الحقيقة نفسها. قلت لها إنك تعرف طعم ابتسامتها، فابتسمت في غير تحفظ، وغمزت في دلال لعوب قليلاً.
قالت كيف ما زلت تحتفظ بطيبتك، وعادت إلى ابتسامتها المرارة، وبدأ الضحك في السخاء ثانية يشاركنا في الحلم تحت الشجرة، حتى وإن خرجت الضحكات جليلة، هل كانت هناك أصوات عصافير؟
الحلم دائماً يكون غامضاً، والصحو يأكل بالطبع كل المشاهد الجانبية كالعصافير أو الورد أو لون الدكّة أو السرير، حتى ذلك الفستان الذي كانت ترتديه يضيع من ذاكرة الحالم بعد الصحو، والغريب أنك وكأنك تعرف بالضبط ملمس الفستان، رغم أنك نسيت ملمس كفّها حينما سلّمت عليها، هل صار كفها أرق من الأول أم صار غير ذلك؟
في الحلم، تختلط كل هذه الأشياء، ويبقى الجوهر كما هو رقيقاً، وحليماً، وأكثر أنساً من السابق، وهذا هو ما يحيّر في الحلم، ضحكة الحلم واعدة، وكأنها تقول لك إن الأيام عبيطة جداً، ولكن الأحلام تعرف كيف تفكّ لغز هذا العبط، الحلم حياة أخرى، أكثر وعداً من الواقع وأكثر رهافة من الواقع، وأكثر غموضاً وجمالاً. الواقع يحتاج إلى كمبيوتر، والحلم يحتاج إلى خيط من حرير، أوله في يدك، وآخره لا ينتهي أبداً.
ليس الحب فناً، بل هو كوعد بفن، ولا يتحقّق على الأرض، لا بلقاء ولا بهدايا ولا بدموع أو أفلام رومانسية وذهب وقاعات، لأن الأيام بطبيعتها قاسية على الجميع، ولكن قد يأتي الحب.
ينبت الحرير في الحلم ولا يعرف أبداً من يسقي جذوره، علّها السماء، هي أبواب أيضاً، كل آن تفتح لك ذلك الباب الذي كان بالأمس موارباً؛ الباب هيّن ورقيق، باب من نسيم، وهي خلف الأبواب في سرير خفيف يشبه الورق، ولكن ليس هو الورق، ويشبه الحرير، ولكنه ليس هو الحرير، وهي تنتظرك حسب الوعد الذي لم يقله فمها ولا قالته العين ولا قاله كلامها، ولكنه كوعد مؤكد من سنوات، ودائماً يأتي الوعد على أصابع الحلم، وعد من نجوم دائماً تمشي خلف ظهرك، حتى وأنت في قلب الخسران، وعد يعوضك عن الناس ومناكفات الأيام، وعد تحت شجرة، وعد يستند إلى أشياء مبهمة دائماً، والغريب أنها تسألك دائماً: لماذا تأخرت؟، رغم أنك جئت، وأحياناً تسألك: لماذا لم تأكل معي أبداً؟، أعرف أنك تتمنى، ولكن تتمنى ذلك في الحلم أكثر، وهي قد عرضت عليك أن تأكل السمك من يدها، ولكن ساعتها، وهذا من حماقة الواقع وعبطه أيضاً، رفضت ذلك خجلاً، أو زهداً، أو عبطاً، وكأنك كنت تتهيب من كرمها، فصرت تتمنى كرمها في سرير من ورق، أو ذلك السرير الذي يشبه الورق وتنام عليه في وجع ما دون أن تذكر لك ذلك الوجع، ولكنه وجع ما يمشي مع الأحبة دائماً، وتراه أنت جميلاً في الأحلام، من دون أن تستطيع أبداً أن تصف لأحد ذلك الجمال، وجع خلف دمع العين، وجع خلف الكلام وفي ثنايا جمل الكلام المبتور الذي يكون الحلم، وجع خلف باب موارب للحكايات القديمة، وجع خلف باب من حرير، وجع في قلب شجر كريم لا تعرف اسمه أبداً ولا تحاول في ذلك، وجع يشبه وجعك تماماً، ولكن تكاد بالفعل أن تلمسه بالأصابع، وفي الصبح تنساه تماماً وتمشي مثل الناس.