فسحة أمل قطرية في لبنان

30 يناير 2026
+ الخط -

تنفس لبنان فسحة أمل جديدة مع التحرّك القطري الإيجابي، بعد تضيق الخيارات المتاحة أمام اللبنانيين للخروج من أزماتهم السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية المحمولة في العام الثاني على تولّي جوزاف عون رئاسة الجمهورية وتشكيل حكومة جديدة برئاسة القاضي نواف سلام، فاتفاق وقف إطلاق النار لم يكتمل بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والقصف اليومي للجنوب والبقاع، ولا بجلاء قوات الاحتلال من القرى الحدودية. ولا يساعد حزب الله المتحمّس بثباته على امتلاك سلاحه، وبإغراءات استعراض استخدامات القوة، وبعدم التخلّي عن نفوذه في التسليم بحل إشكالية، أن لبنان في أقصى ظرف من فرض سيادة الدولة على كامل أراضيها واستعادة احتكار السلاح الشرعي. وهو يخشى مما يكرّره الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن "هناك مشكلة مع حزب الله، وسنرى ما سيحدُث"، في حين يواصل الجيش الإسرائيلي التهديد بهجوم واسع النطاق على البلاد.

وقد اختبر اللبنانيون سوء التعثر في مثل خطابات أمين عام حزب الله نعيم قاسم أخيراً "حزب الله لن يكون على الحياد في أي عدوان أميركي على إيران"، وهو يلمح إلى دعمها في أي حرب. في وقتٍ تعتمد بيروت على الدعم العربي في التواصلية مع واشنطن، وحث الرئيس الأميركي على الضغط على إسرائيل لوقف تصعيدها العسكري، وإزاء الخوف من الأدهى، وهو العدوانية الإسرائيلية. في هذا الإطار، يظهر الدور القطري المحوري في دعم لبنان، سواء من خلال المساعدات المالية والسياسية أو العسكرية التي أعلنها عبر تخصيص 480 مليون دولار لمساعدة لبنان. وتبرز أهمية اعتماد لبنان على دعم عربي سياسي حيوي من مصر والسعودية ومختلف الأطراف، للضغط على الولايات المتحدة لمنع أي هجمات إسرائيلية على نطاق واسع، تزيد من تردّي حساسية الأوضاع اللبنانية.

وقد ساهمت قطر على مدى السنوات الثلاث الماضية في تغطية رواتب أفراد المؤسسة العسكرية، واحتياجاتها اللوجستية، ومن المتوقع أن تلعب دوراً محورياً في المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني المقرّر عقده في 5 مارس/ آذار في باريس. الجهود القطرية قديمة لجهة دورها في إعادة الإعمار بعد حرب العام 2006 بين حزب الله وإسرائيل. فيما تشير زيارة وزير الدولة للشؤون الخارجية القطري، محمد عبد العزيز الخليفي، أخيراً، بيروت إلى جهود واتصالات في مقاربة ممكنة لنهاية حرب 2024. وقد حملت الزيارة رسالة واضحة، بالتنسيق مع الأميركيين، لزيادة الضغط على إسرائيل لوقف هجماتها لتجنيب البلاد تصعيداً عسكرياً، وإيجاد حل لقضية السلاح، والمساعدة في كيفية إدارة المرحلة مع حزب الله. وتنسق قطر جهودها مع جميع الأطراف، لمنع تفجر خلافات وانقسامات داخلية لبنانية، قد تسبّب مزيداً من الانغماس في الفوضى والتوترات والدمار. وهي قادرة على لعب دور لإيجاد تسوية داخلية تضمن حقوق الجميع، تحافظ على التوازنات الداخلية، تضمن احترام الدستور، وتحمي لبنان من الحرب.

يظهر الدور القطري المحوري في دعم لبنان، سواء من خلال المساعدات المالية والسياسية أو العسكرية التي أعلنها عبر تخصيص 480 مليون دولار لمساعدة لبنان

لم تقتصر الزيارة القطرية على أبعادها السياسية، بل تندرج أيضاً في إطار التحضير لدعم موسع للبنان في عدة مجالات تتعلق بالتحضيرات لمؤتمر دعم الجيش، واستثمارات متعدّدة في قطاع الطاقة وتوريد الغاز عبر سورية، والصحة، والتعليم والبنى التحتية، والدعم المتعلق بعودة حوالي 400 ألف لاجئ سوري إلى ديارهم.

يحتاج لبنان إلى الدعم بشكلٍ حيوي، وإلى تكامل الجهود العربية لتوفير مظلة حماية له في مواجهة التصعيد الإسرائيلي والرهانات المغلقة الداخلية تتركز بعد هذه الزيارة على تضافر الأدوار بين مصر والسعودية وقطر لإيجاد الظروف المؤاتية لظهور تسوية داخلية تتماشى مع الجهود الدولية، ولا سيما منها الولايات المتحدة بهدف العمل على استقرار سياسي مستدام، وتوفير الضمانات التي يسعى لبنان إلى الحصول عليها في انسحاب إسرائيل من القرى الخمس الحدودية، وإطلاق المعتقلين اللبنانين في سجون العدو. ومن المتوقع أن ترتبط عملية إعادة البناء، بالتوازي مع الاتصالات التي تجريها مصر وقطر مع الإدارة الأميركية. وترتبط كل هذه العناصر، التي تقف إلى جانب لبنان وتدعم مؤسساته الشرعية بالتحضيرات لزيارة قائد الجيش المقرّرة في فبراير/ شباط إلى الولايات المتحدة. ذلك المجال الضاغط على السياسة اللبنانية المنخرطة في الخطة الرامية إلى حصر السلاح في شمال نهر الليطاني وجنوبه، وفي كل لبنان، والنأي بنفسها عن الصراعات الخارجية، أداة حيوية لبقاء الكيان والدولة.

لم تعد الساحة اللبنانية الصغيرة المأزومة بالطابع السجالي تمثل عاملاً مؤثراً على جوانب الصراع

لم تعد الساحة اللبنانية الصغيرة المأزومة بالطابع السجالي تمثل عاملاً مؤثراً على جوانب الصراع، تفصيل جغرافي آخر في مواجهة سياسة إسرائيلية تدميرية بعد 7 أكتوبر (2023). لذلك يسعى الرئيس عون إلى "الحياد الإيجابي" وعدم الانضمام إلى تجربة المحاور، والبحث في عناوين الدبلوماسية والصداقات عما يحمي لبنان من المطامع الإسرائيلية، وعن آلية لتعزيز التواصل الوطني، وتشغيل المؤسسات الوطنية وسط تفهم إقليمي ودولي لضرورة تحصين الساحة اللبنانية بهدف الوصول أبعد من موضوع السلاح إلى رؤية جديدة لإرساء صيغة حكم جديدة سياسية واقتصادية شاملة ، تتحدى الطرق القديمة لبنيوية لم تفرز دولة حديثة تدير تعدّديتها واقتصادها. فتتخلى القيادات السياسية عن عقيدة التزامها بتخصيص السلطة لطوائفها وجماعاتها من دون الخير العام، ما يستدعي في كل مرة العالم إلى التدخل والمساعدة (شكراً قطر)، في التوسّط بين قوى محلية ضاغطة، تفكر إحداها بحالة الحرب مع إسرائيل أمراً لا مفرّ منه، وأخرى تسعى إلى إيجاد توازنات مذهبية أو طائفية وإنتاج ثقافة سياسية مختلفة عن هواجس التحوط من أطماع الاحتلال وعدوانيته على الأرض والبشر والثروات، ما يضع البلاد في تحدّيات مماثلة للصراعات العنيفة في المنطقة غير الساكنة. ويمكن أن يحدِث الخلاف الداخلي اختلالاً في بنية العلاقات الأهلية، ما يؤثر على مسار قرارات الحكومة الجديدة بالإصلاح والإنقاذ، وعلى التزاماتها المقرّرة بتصريف شؤون الناس.

هذا في وقت يواجه الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطّة الجيش بعد الانتهاء من تسلمه جنوب الليطاني مشكلاتٍ تتعلق بتجاوز إسرائيل عمل لجنة "الميكانيزم"، وفي الدعوة الناشئة لدى واشنطن لتحويلها إلى لجنة ثلاثية. ومن غير المعروف، إذا كانت الخلافات الأميركية - الفرنسية تحول فعلاً دون انعقاد اللجنة، أم الخلافات الداخلية أعمق تتعلق بتعديل اتفاق الهدنة 1949، وتحييد عمل قوات الطوارئ الدولية (يونيفيل) المكلفة مع الجيش بتطبيق قرار مجلس الأمن 1701، وتعجيل مغادرة وحداتها نهاية العام الجاري.

رسالة قطر تلمح إلى مسار ممكن بغطاء خليجي ودولي، يعزّز الاقتناع بالسياقات التي تجري بها الأوضاع في غزّة وسورية، مدفوعاً بتفهم الرئيس ترامب واقع لبنان وما تعانيه الدولة ومؤسّساتها، وضرورة السير مجدّداً بعمل لجنة "الميكانيزم" لتنفيذ وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/ تشرين الأول 2024، وضرورة تحصين الساحة اللبنانية لمحو آثار حرب الإسناد، ووضع البلاد على سكة النهوض والازدهار بأولوية إنهاء ملف سحب السلاح من حزب الله، وعلى اعتبار أن في العالم من لا يريد مشكلة أخرى حول لبنان، وأن الأمور في المنطقة أسوأ بكثير. لذلك، يجب العمل على استقرار سياسي مستدام.

يقظان التقي
يقظان التقي
إعلامي وأكاديمي ومترجم لبناني، له عدد من الكتب، دكتوراة في الدبلوماسية والعلاقات الدولية.