في التقارب السوري الروسي

23 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 02:46 (توقيت القدس)
+ الخط -

تبدو سورية معنيةً أكثر من غيرها بالتحولات الجيوسياسية التي يشهدها الإقليم منذ "7 أكتوبر" (2023)، مروراً بسقوط نظام بشّار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، وانتهاءً بانحسار النفوذ الإيراني وتراجع قوة حزب الله، وتفكّك ما كان يعرف بـ''محور الممانعة''. ويعي النظام الجديد في دمشق أن إعادة التموضع داخل الإقليم تمرّ، بالضرورة، عبر استيعاب هذه التحوّلات وتوجيهها، والتحكّم في ارتداداتها في الداخل السوري.

ضمن هذا المنحى، تندرج زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع موسكو (الأسبوع الفائت). زيارة وإنْ بدت مفاجئةً ومربكةً بالنظر إلى الدعم العسكري واللوجيستي الذي قدّمه الروس لنظام الأسد (إبّان الحرب الأهلية) في مواجهة المعارضة المسلّحة (النظام الحالي)، إلا أن حسابات المصالح والمكاسب فرضت على الطرفَين إعادة النظر في علاقاتهما التي تعود إلى فترة ما بعد استقلال سورية (1946). وللإشارة، تبادل الطرفان، قبل زيارة الشرع موسكو، زيارات مماثلة، أبرزها زيارة وفدٍ روسيٍّ رفيعٍ دمشق في مطلع الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، في خطوة أشّرت إلى تحوّل في مزاج النخبتَين السورية والروسية بشأن علاقات البلدَين ومستقبلها.

حسابات المصالح والمكاسب إذن هي القوة الدافعة باتجاه ترميم العلاقات السورية الروسية، وإعادة تقييم الطرفَين لها في ضوء ما يشهده الإقليم من تحوّلات، تنذر بإعادة صياغة المشهد الإقليمي برمته. ... وقد تناولت المباحثات السورية الروسية في موسكو ملفّات سياسية واقتصادية كبرى، أبرزها العلاقات الثنائية، ومستقبل الاتفاقيات العسكرية، بما في ذلك احتفاظ روسيا بقاعدتَيها في طرطوس وحميميم، وإعادة تأهيل الجيش السوري وتطوير منظومته الدفاعية، ومساعدتِها في إعادةِ بناء الدولة السورية الجديدة وتعزيز سيادتها، ودعم مسار المصالحة الوطنية، ومساهمتِها في مشاريع إعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية وتطوير قطاع الطاقة وتعافي الاقتصاد السوري بعد سنوات من الحرب الأهلية.

يدرك الشرع أن إعادة اندماج سورية في الإقليم تتطلّب إعادة رسم علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية، وفي مقدّمتها روسيا، من دون أن يكون ذلك على حساب علاقاتها بالغرب. ويبقى احتلال إسرائيل أجزاءً واسعةً في الجنوب السوري أحد الملفّات التي يراهن النظام الجديد في سورية على أن يكون للروس دورٌ في وضع إطار عام للتفاوض بشأنها مع إسرائيل، على أساس انسحابها من الأراضي التي احتلّتها عقب سقوط نظام الأسد، خصوصاً أن المساعي التي بذلها هذا النظام لدى الدول الغربية للضغط على دولة الاحتلال كي توقف اعتداءاتها لم تؤتِ أُكلها.

في المقابل، تعي روسيا أن صفحة نظام الأسد قد طويت للأبد، في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تغيُّراً في التحالفات بصورة تعيد صياغة موازين القوى، وتفتح المجال أمام صراعِ هيمنةٍ ضارٍ على موارد القوة والنفوذ في السنوات المقبلة. ولذلك، من مصلحتها الحفاظ على نفوذها في سورية، التي كانت دائماً في صلب الاستراتيجية الروسية في الإقليم منذ استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما لمّح إليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال استقباله الشرع. يُضاف إلى ذلك، أن شرق المتوسّط يمثّل بالنسبة إلى موسكو واجهةً رئيسةً لإعادة موضعة نفوذها السياسي والاقتصادي، وتوسيعه نحو جنوب المتوسّط والقارّة الأفريقية، بما يعنيه ذلك من أهمية استراتيجية بالنسبة إلى دولة كبرى بحجم روسيا، تتطلّع إلى نظام دولي متعدّد الأقطاب. هذا من دون السهو عن أنّ تعزيز روسيا نفوذها في الشرق الأوسط، من خلال عودتها إلى سورية، قد يمكّنها من أوراق جديدة تساوم بها الغربَ في إدارة منعرجات الأزمة الأوكرانية. ويمكن القول إن الاستقبال اللافت الذي حظي به الشرع في الكرملين يمثّل إشارةً سياسيةً ورمزيةً روسيةً لا تخلو من دلالة، تعكس رغبة الروس في فتح صفحة جديدة في علاقاتهم مع غريمهم السابق.

يبدو أن المصالح المشتركة والمكاسب السياسية والاقتصادية الكبيرة تفرض على سورية وروسيا تخطّي مخلّفات الحرب الأهلية وسقوطِ نظام الأسد، وتفكّك قاعدته الاجتماعية، وإنجازَ تقاربٍ بينهما أكثر براغماتية وارتهاناً لما يشهده الإقليم من تحوّلات متسارعة.