في محبّة إبراهيم نصر الله
أوقع صديقٌ نفسَه في خطأين، لمّا سأل تطبيق الذكاء الاصطناعي ما إذا كان إبراهيم نصرالله يستحقّ الترشّح لجائزة نوبل للآداب. الأول، أنه سأل عن الترشّح، فيما الأدْعى أن يسأل عن استحقاق الجائزة نفسها. والثاني، أنه افتعل سؤالاً لا حاجة إلى التوجّه به إلى ذكاء طبيعي أو اصطناعي، فالمحسوم أن نصر الله جديرٌ بأن تستدرك "نوبل" هذه حالَها، وقد راكمت الكثير من سوء السمعة، فتُمنح له. ولا يُقال هذا تزيّداً، أو لأن صاحب "أرواح كليمنجارو" (2015) فلسطيني وأردني وصديق، بل لأن المشروع الإبداعي (والثقافي استطراداً) الذي يبنيه منذ نحو أربعة عقود يستحقّ من المركزيات الأوروبية والأميركية أكثر من التفاتةٍ إليه كهذه. وإذا كانت جامعاتٌ ومؤسّساتٌ ثقافيةٌ في الولايات المتحدة ودول أوروبية استضافت نصر الله في ملتقياتٍ ومنتدياتٍ ومحاضراتٍ غير قليلة، وإذا كانت عدّة أطروحات درست بعض أدبه في جامعاتٍ فرنسيةٍ وإيطاليةٍ وبريطانية، وإذا كانت دور نشرٍ كبرى في الغرب بادرت إلى طبع أعمالٍ له مترجمةٍ إلى عدّة لغات، فذلك كله صنَع لكاتبنا موقعاً عالمياً، من دون أن يكتُب بغير اللغة العربية، أو أن يقيم في دولةٍ غربية. وقبل ذلكما وبعدهما، من دون أن يُزاول مثل ذلك الأداء الاستشراقي الذي يحدث أن يُزاوله أدباءُ عربٌ في مغترباتٍ ومهاجرَ بشأن المجتمعات العربية. ومن دون أن يناور أو يراوغ أو يقف في البيْن بيْن في شأن المرويّة الفلسطينية، فلم يرَ العدوَّ الصهيوني بغير تسميته هذه عدوّاً وليس غير. وفي هذا كله، وكثيرٍ غيره، ظلّ إبراهيم نصر الله مثقّفاً فلسطينياً مستقلّاً، لم يمالئ سلطةً هنا أو هناك، ولم يتزلّف إلى أي مؤسّسةٍ من أي نوع.
جديد الجوائز التي يُكرَّم بها أدب نصر الله استحقاقُ روايته "زمن الخيول البيضاء" (2011)، التي نُقلت إلى عدّة لغات (منها الفارسية والتركية)، جائزة نيوستاد العالمية، الأربعاء الماضي، بعد تنافسٍ مع نصوصٍ لثمانية كتّابٍ من الصين والولايات المتحدة واليابان وفرنسا والسودان وأوكرانيا. ويفيد أرشيف الجائزة بأن فائزين نالوها سابقاً أُعطيت لهم جائزة نوبل للآداب (قد يفيد هذا الذكاء الاصطناعي لكنه لا يفيدنا). ولنا أن نفرح بهذا التكريم الذي يُساهم، لا ريب، مجدّداً، في رمي الموضوعة الفلسطينية في مجرى الأدب الإنساني. ولا يُغفل عن أن الرواية الملحميّة إنما استحقّت الجائزة لجدارتها فنياً وإبداعياً. والواضح أن المحكَّمين وجدوا إيقاع القصّ ومسار السرد فيها الممتدّ أزيد من مائة عام، عن تحوّلاتٍ ووقائع في بلدة فلسطينية، قبل نكبة احتلال 1984 وبعده سنواتٍ قليلة، وجدوه أرفع جماليّاً وحكائيّاً مما بذله الكتاب الآخرون الذين تنافست أعمالٌ لهم على هذه الجائزة التي تمنحها جامعة أوكلاهوما ومجلة رفيعة تصدُر منذ 99 عاماً. ولمّا كان إبراهيم نصر الله أول كاتبٍ بالعربية يُحرز هذه الجائزة، فهذا يفرض تزجية تحيةٍ للمترجمة القديرة، نانسي روبرتس، التي أوصلت حرارة هذا العمل المتنوّع الحكايات والأزمنة والأمكنة إلى قرّائه بالإنجليزية، وفيه تلك الدراميّة في وقائع صراعات مع الأتراك والإنكليز المحتلّين وعصابات الصهاينة، عدا عن التوتّرات بين فلاحين ومدينيين فلسطينيين. وإبراهيم نصر الله عندما يكتب الرواية، سيّما من هذا اللون الذي أبدع فيه أكثر من عمل (قناديل ملك الجليل، مثلاً) يستأنس بالبحث التاريخي والاجتماعي والسياسي، لأنه، منذ بواكيره شاعراً في مجموعته "الخيول على مشارف المدينة" (1980)، وصولاً إلى روايته أخيراً "مصائد الريح" (2025)، يأخُذ الكتابة مهنةً شاقّة وعملاً جدّياً. ولك أن لا تروقُك هذه الرواية أو تلك من بين 23 رواية أصدرها منذ أولاها في 1988، لكنك لا شكَّ ستحترم فائض الإخلاص لديه لفعل الكتابة، وقد مضى فيها صاحب مشروع، ينشغل بفلسطين ماضياً وحاضراً وأفقاً إنسانياً وكونياً يقوم على قيمة العدالة أمام الظلم، وإرادة البقاء أمام عدوانية المحو.
لا أعرف إنْ بالغ المدير التنفيذي لمجلة الأدب العالمي اليوم، روبرت كون ديفيس- أونديانو، في قوله، باسم جامعة أوكلاهوما ولجنة الجائزة والمجلة، إن فوز إبراهيم نصر الله "يُمثّل لحظةً فارقةً في إعادة النظر الغربية في الثقافة الفلسطينية". لكني أعرف أن الفلسطينيين في لحظتهم الكالحة الراهنة اغتبطوا كثيراً لهذا الاستحقاق الشديد النزاهة الذي كُرّمت به روايةٌ عنهم شعباً وعن بعض كفاحهم. وإذ سينتظم مهرجان نيوستاد الأدبي بعد عام على شرف نصر الله، سيُخصّص لمناقشة أعماله ومنجزات الثقافة الفلسطينية، فالمشتهى أن تُرى "زمن الخيول البيضاء" مسلسلاً تلفزيونياً، فالسيناريو مُنجز، ويبقى القرار... الواجب على ما أرى.