قبّعات وبيتلز وسلام

12 فبراير 2026

(فاسيلي كاندينسكي)

+ الخط -

كان البرازيليون في الستينات فقراء للغاية، نحيلين وشبه حفاة، سُمراً يبتسمون ويتحرّكون كالشياطين، ثم يهزمون الأثرياء في مباريات كرة القدم، وكان الجميع يحبهم لأجل ذلك.

كان عقد الستينات في الأصل عذباً، حتى أن مؤرّخين يقولون إنها كانت السنوات العشر الأفضل في التاريخ البشري. فساتين نسائية مشجّرة بأحزمة حقيقية ووهمية ترسم ملامح خصْر ضيق، قبعات مشغولة بالدانتيل، موسيقى رومانسية، كرافتات رفيعة للرجال، محلات الزهور تشبك الورود ببعضها على أشكال قلوبٍ ووجوه، فرنسيون وكوبيون ويونانيون يرقصون في الشوارع.

البيتلز وفرانك سيناترا وبوب ديلان وألفيس برسلي ودايانا روس، تستطيع أسماؤهم حشد عشرات آلاف من الناس الفرحين الذين يحفظون أغنياتهم عن ظهر قلب. إليزابيت تايلور وصوفيا لورين وبريجيت باردو ومارلون براندو وبول نيومان ينثرون الشغف والبهجة في أرجاء الكوكب، أصوات أم كلثوم وعبد الحليم وعبد الوهاب وفيروز وصباح تخرج من أبواب المتاجر وأسطح البيوت ونوافذ السيارات العابرة.

جيل الشباب ينزل إلى الشوارع ليفجر ثورة اجتماعية ويغير قواعد التعامل مع الجسد ومع العائلة والدولة والكنيسة. وشركات السيارات تبعث موديلاً جديداً إلى الأسواق كل أسبوع، بتصاميم وألوان لم يكن أحد، لما قبل عشرين عاماً، يجرؤ على استخدامها في الملابس الداخلية.

كان عقداً بهيجاً، صنعه جيلٌ يحاول التخلّص من ذكريات الحرب، فالمخرجون والملحنون والكتّاب والفلاسفة والممثلون والميكانيكيون ومصمّمو الأزياء والمحركات النفّاثة، كانوا من الجيل الذي عاش طفولته أو يفاعته في الحرب العالمية الثانية، واختبر مآسيها، وعانى الخوف والجوع والحصار، رأى جثثاً أكثر مما رأى أراجيح، وشمَّ باروداً أكثر مما شمَّ آيس كريم.

كان جيلاً يريد فعل كل ما هو نقيض للحرب التي شاهدها، كان جيلاً لم يشارك في الحرب، ولم يقتل أحداً، ولم يقتله أحد، لكنّه رأى القاتل والقتيل، وكان أبوه أحدهما، فرأى أباه يقتُل أو يُقتَل. لذلك كبر وهو لا يريد أن يكرر ذلك. فهرب إلى الجهة المقابلة تماماً، فصنع سينما وموسيقى وسيارات وفنادق وأزياء، كشف عن ساقيه وبعض من صدره، كشف عن روحه على كرسي الطبيب النفسي، وعن مخاوفه على الورق، وعن أحلامه على الشاشة. كان جيلاً رأى الكثير من الموت فصنع الكثير من الحياة.

في منطقتنا، كنا تقريباً جزءاً من ذلك لولا حرب حزيران (1967)، فقد حوّلت ذلك الجيل منّا إلى مهزومين مكسورين، لا معنى لديهم لكل جمال الستينات، ولا حتى لسميرة توفيق ونادية لطفي، لأنهم صاروا جيل الهزيمة.

لذلك خزّنّا تلك الفرصة، واحتفظنا بالفكرة عقوداً، حتى خضنا حروباً محلية تكاد تساوي الحرب الكبرى بمآسيها وخوفها وآلامها. وها هو جيل جديد يبدو مثيراً للشفقة اليوم، في سورية والعراق واليمن وليبيا وفلسطين، يبدو جيلاً بلا أفق ولا أمل ولا مستقبل. تماماً مثلما بدا جيل العالم الذهبي في نهاية الأربعينات ومطلع الخمسينات.

جيلٌ سيفعل، على مستوى إقليمنا، ما فعله جيل ثورة الشباب في الغرب، فالمقدّمات متقاربة، وكثير من أبناء هذا الجيل رأى أباه يقتُل او يُقتَل، وعاش رعب براميل يسقطها بشّار الأسد فوق حلب أو حمص، أو جماعة ترسل رأس زعيم عشيرة في الأنبار محشوّاً في بطن طفل من حديثة إلى امرأة من الفلوجة، أو شهد إبادة مدينة كاملة غربي طرابلس الغرب. ومن شهد شيئاً كهذا لا أظنّه سيرغب بتكراره في أي مكان في الدنيا.

قد تكون اللحظة القلقة الحالية مضللة، فهي تقول إن المظالم كبيرة وواسعة لدرجة أنها لن تسمح لأحد أن ينسى، ورغبات الثأر مشتعلة بحيث إنها لن تترك فرصة لقلب أن يبرد. لكن الأمور لا تجري هكذا، وجيل الستينات العظيم، الذي صنع الستينات العذبة، لم يفعل ذلك، ولم يبق عالقاً في الثأر ورغبات الانتقام، بل مضى إلى الأقصى في الاتجاه المعاكس.

لدي أملٌ كبير، قد لا أشهده (بحكم اقتراب عمري من ربعه الأخير)، ولكني أثق بقدومه، وأثق أن الجيل القادم من أبنائنا سيصنع لنا ستيناتنا الخاصة، وسيخيط دانتيلاً على القبّعات.

يعرب العيسى
يعرب العيسى
كاتب وصحافي سوري، من أسرة "العربي الجديد".