قتلى من نوع آخر

24 ابريل 2026

(صفوان داحول)

+ الخط -

أول ما يُتناوَل عند الحديث عن أيّ حرب عدد الضحايا، القتلى والمشرّدين والمهجّرين والمعتقلين، ومن ثم الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تخلّفها الحرب بوصفها كارثةً جماعيةً تشكّل عنواناً رئيساً تندرج تحته مجموعة أعداد وأرقام تمثّل الضحايا والخسائر. يتحوّل ضحايا الحرب المعلنون بعد قليل إلى مجرّد أرقام في التقارير الإعلامية والبحثية، وفي النقاش المجتمعي للمظلوميات، أرقام قد تزيد وقد تنقص كثيراً وقليلاً تبعاً للجهة المتحدّثة والأيديولوجيا التي تعتنقها، لكنّهم يظلّون أرقاماً في سجلّ الحروب، أرقام تدخل في كتاب التاريخ البشري ضحاياً معلَنين لحرب ما في بلد ما أو في مكانٍ ما، لا يذكر أحد أسماءهم سوى أحبّائهم ممَّن بقوا على قيد الحياة.

لكن ماذا بشأن هؤلاء الأحياء الذين لم تسلبهم الحرب حياتهم ولم يتعرّضوا للتهجير مثلاً. هل هم فعلاً ناجون من الحرب أم أنّ مجرّد بقائهم على قيد الحياة هو ما يمنحهم هذه الصفة؟ وهل يكفي أن ينجو أحد من الموت في الحرب كي تُطلَق عليه هذه الصفة؟ في حرب العقد ونصف العقد السورية، وفي مجازر السنة الماضية، يمكننا الحديث عن أرقام مهولة للضحايا، ويمكننا الحديث عن الخرابَين الاقتصادي والاجتماعي اللذين نتجا منها. هذا كلّه معلوم للجميع، لكن ثمّة ضحايا غير مرئيين يُصنّفون تحت بند "ناجون"، عاشوا (ويعيشون) حياةً فقدت شروطها الأساسية كلّها، هؤلاء استمروا في الحياة بالمصادفة فقط، يعيشون في أماكن لم يطاولها التدمير والحرق، لكنّ ما تدمّر هو ذواتهم، طرق عيشهم، أسلوب حياتهم، عالمهم بأكمله تدمّر أو احترق أو اختفى.

ثمّة لغة لتصنيف ضحايا الحرب: القتيل والنازح والمعتقل، لكنّ هذه اللغة تضيق عندما يبدأ الحديث عن الآخرين: فمَن فقدوا مصادر عيشهم هم خارج هذه اللغة، ومَن تدمّرت طبقتهم الاجتماعية هم أيضاً خارج هذه اللغة، ومَن يعيشون في الحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانية، ولا يرون أيّ أفق أمامهم، هم خارج هذه اللغة، مَن يعيشون في ظلّ الخوف والتوقّعات السلبية وانتظار المجهول هم خارج هذه اللغة، مَن يحملون أوزاراً لا ذنب لهم فيها، ويعاملون كما لو كانوا مجرمين، هم خارج هذه اللغة. مَن يرسلون أبناءهم إلى أماكن غريبة خوفاً عليهم، ويعيشون وهم يدركون أنّهم لن يروهم ثانية، هم خارج هذه اللغة. لغة الحرب السائدة إعلامياً محدودة لا تتّسع للضحايا كلهم، هي تشمل الخسارات ذات الطابع الدرامي الواضح والمعروف فقط، خسارات المتن وضحاياه. أمّا خسارات الهامش والكواليس فهي غير مرئية، وضحاياها غير معلَنين، ليسوا حتى أرقاماً في وسائل الإعلام وفي التقارير المعنية. هم أحياء حقّاً، لكنّ حياتهم تتآكل ببطء شديد من دون أن ينتبه إليهم أحد، ومن دون أن يُصنّفوا في فئة الضحايا، مع أنّهم الأكثر حاجةً إلى الاعتراف بخساراتهم وتعويضها كي يتمكّنوا من العيش حقّاً لا قولاً، أو لنقل كي يُبدأ بالتخلص من آثار الحرب قبل الحديث عن النجاة.

ثمّة أنواع من الخسارات في الحرب قد تتفوّق على الموت المادي وخسائر الأرواح، فالموت هو النهاية، لا يتغيّر، وهناك من يختارونه هدفاً في سبيل ما يظنّونه عدلاً. لكن هناك خسارات تلحق بآخرين لا يريدون الحرب ولم يختاروها، وفكرتهم عن العدالة مختلفة تماماً، قد تكون فكرة ساذجة لكنّها طريقتهم في فهم العالم وعيش الحياة، هؤلاء خارج تفكير ما بعد الحروب، لم يستشرهم أحد قبلاً، ولا يفكّر أحد في تعويضهم لاحقاً، هؤلاء لا يُدرجون تحت أيّ مسمّى، ليسوا موتى وليسوا ناجين وليسوا ضحايا، هم موجودون لكي يُتحدّث باسمهم في الانتصار أو في الهزيمة، من دون أن يعرف المتحدّثون شيئاً عنهم أو عن خساراتهم الحقيقية. هؤلاء عاشوا ألماً مجهولاً، عاشوا قتلاً مختلفاً لا تكترث به وسائل الإعلام ولا تذكره التقارير، ذلك أنّ هذا النوع من القتل ليس جذّاباً ولا مشوّقاً، فهو قتل صامت وخفي ولا لون له، يبدو كما لو أنّه قتل سرّي، وكما لو أنّ الضرر الناتج من هذا القتل ضرّر سرّي أيضاً إذ لا يعرفه أحد غير أصحابه المُصنَّفين أحياءَ وناجين، لكنّهم في الحقيقة قتلى من نوع آخر.

BF005AFF-4225-4575-9176-194535668DAC
رشا عمران

شاعرة وكاتبة سورية، أصدرت 5 مجموعات شعرية ومجموعة مترجمة إلى اللغة السويدية، وأصدرت أنطولوجيا الشعر السوري من 1980 إلى عام 2008. تكتب مقالات رأي في الصحافة العربية.