"لام شمسية..." والمسكوت عنه
بنفاد صبر، انتظر الجمهورالمتابع المسلسلَ المصري الاسثنائي "لام شمسية لام قمرية" الاقتصاص وإنزال العقوبة القصوى بالمتحرّش بالأطفال الذي ظلّ حتى الحلقات الأخيرة يمارس ألاعيبه الخبيثه، في محاولة للنجاة بعد افتضاح أمره وظهور ضحايا جدد له، وهو الأستاذ الجامعي التربوي، صاحب مدرسة خاصة، وصديق مقرّب لوالد أحد ضحاياه، لعب دوره باقتدار الممثل محمد شاهين الذي برع في تجسيد هذه الشخصية الخطيرة، المنحرفة والمؤذية، وقد تمكّن من نيل ثقة الجميع بملامح وجهه المريحة، مرتديا قناع الطيبة والودّ والمحبة للصغار الذين استدرجهم إلى عالمه المظلم المشوّه، مستغلا براءتهم وسلطته عليهم معلماً محبوباً، يسعون إلى نيل إقراره وكسب محبّته والحصول على رضاه.
وقد أبدعت الكاتبه مريم نعوم في كتابة المسكوت عنه في مجتمعاتنا العربية، مستعينة باختصاصين نفسيين، يعينونها في المادة العلمية التي تكشف عن البيدوفليا، المصنّف من أشكال الشذوذ الجنسي، وهو اضطراب الولع بالصغار والاشتهاء الجنسي للأطفال من كلا الجنسين. كما تمكّنت الكاتبة الملتزمة المجتهدة من رسم شخصيات العمل، والغوص عميقاً في دواخلها، وترجمة نوازعها واضطراباتها وجذور أحزانها الدفينة المرتبطة لبعضها بمرحلة الطفولة، صندوقنا الأسود الذي يختزن أسراراً قاتمة، يعجز الطفل المُعتدى عليه عن البوح بها أو التعبير عنها، لأنها تظلّ غامضة، غير مفهومة بالنسبة له، رغم أنها تجعل منه طفلاً مرتبكاً، منعزلاً اجتماعياً، يعاني من مشاعر الغضب والشعور بالذنب والخزي وانعدام الثقة بالذات.
من هنا، يمكن اعتبار النصّ البطل الحقيقي لهذا العمل المختلف الذي تجرّأ في مقاربة ثيمةٍ تعد من التابوهات المسكوت عنها في الدراما العربية، القائمة على الاستعباط والاستسهال، وهي تطرح قضايا القتل والبلطجة والفساد والسرقة وتعاطي المخدرات والتسوّل والدعارة من دون تحفظ، بل وتلاقي مثل تلك الأعمال إقبالاً جماهرياً كبيراً في العادة. لذلك جاء مسلسل "لام شمسية لام قمرية" انقلاباً على السائد، وتأكيداً لأن "مش كل الجمهور عايز كده"، بل يحتاج في زمننا الصعب إلى قصص حقيقية من رحم الواقع، اعتاد المجموع التغافل عنها على طريقة النعامة، بذريعة أنها لا تمثل عاداتنا وتقاليدنا الشريفة العفيفة، ليأتي هذا المسلسل الفذ كي يوقظنا وينبّهنا، ويقدّم درساً بليغاً في دور الفن التوعوي ورسالته الجادّة في الحياة.
لم يقتصر العمل على قضية التحرّش الجنسي بالأطفال، وهي بالغة الحساسية ولا مناص من الاعتراف بوجودها. يكفي أن نزور قاعات محاكم الجنايات الكبرى في أي بلد عربي، كي نقف على مدى انتشارها. وسواء اعترفنا أم لا، أكدت الإحصائيات أن النسبة الأكبر من المتحرّشين بالأطفال هم من أفراد العائلة، ومن مقرّبين منها، بل تناول قضايا لا تقل حساسية، مثل الخيانه الزوجية، العلاقات الأسرية المضطربة، الزواج الثاني وتأثيره على الأطفال، الصمت الذي نلوذ به خشية الفضيحة، إهمال الأهل صغارهم، علاقة الصداقة، الإفراط في الثقة بالآخرين، وسائل التواصل الاجتماعي ومدى تأثيرها في حياتنا اليومية.
ورغم النجاح الساحق الذي حققه المسلسل، إلا أنه تضمّن مغالطات منطقية، حين أفاد طبيبٌ، في أحد المشاهد، بأن الإقدام على التحرّش بالأطفال لا يصنف بيدوفليا بالضرورة، وفي هذا مخالفة صريحة للتعريف العلمي المعتمد. كما أن نشر زوجة الأب القصة على مواقع التواصل، وبغض النظر عن هدفها النبيل في فضح المجرم، انتهاك صارخ لخصوصية الطفل الذي لا يملك الإرادة أو الأهلية، للقيام بأي تصرّف قانوني. المفترض، والحال هذه، أن يحرص ذووه على حماية خصوصيته أولوية وهدفاً أول يحميه من الوصم والسخرية أو حتى الشفقة.
باستثناء تلك التحفظات القليلة التي كان بالإمكان تلافيها بشيء من التدقيق، نحن بصدد عمل درامي عميق وجادّ وضروري، كفيل بإعادة الدراما العربية إلى مسارها الصحيح بعد توهان طويل.