لا أكره... لكنني لا أعود

26 يونيو 2025   |  آخر تحديث: 02:44 (توقيت القدس)

(بهرام حاجو)

+ الخط -

منذ متى بدأت أرى بوضوح؟ لا أذكر لحظة بعينها، لا تاريخ محدّداً يمكنني أن أشير إليه وأقول: "هنا استيقظت بصيرتي". كل ما أعلمه أنني لم أعُد كما كنت، وأن ما كنت أظنّه نقاءً في الآخرين لم يكن دائماً إلا طلاءً برّاقاً يخفي صدأ النيات. وكأنني طوّرت حاسّةً سادسة لا علاقة لها بالبصر، لكنها ترى، وتقرأ، وتفهم. قدرتي على تمييز الوجوه الحقيقية من الأقنعة أصبحت دهشة يومية أعيشُها بصمت، دهشة لا تقلّل من وطأة الخداع، لكنها تخفّف من أثر المفاجأة.

كنتُ أؤمن بالناس. بكل بساطة، كنت أصدّقهم. لم أكن ساذجة، لكنني كنتُ أرى الخير قبل كل شيء. أستقبل الكلمات على نيّاتها، وأتلقّى الوعود وكأنها عقودٌ لا تُنقض. كانت عيناي واسعتيْن، تبتلعان كل تعبير صادق، أو ما بدا كذلك. ثم حدث ما يحدث مع الجميع، لكن بطريقتي. تراكمت التجارب، وانكشفت الوجوه، وتكسّرت الصور الجميلة التي رسمتُها بعقلي لمن حولي. لم تكن صدماتٍ كبرى، بل سلسلة من مواقف صغيرة تكشّفت أمامي تباعاً. وهكذا، شيئاً فشيئاً، بدأتُ أرى.

لم يكن اكتشاف القناع دائماً لحظة انتصار. أحياناً كان مؤلماً، يشبه خيبة الأمل حين تكتشف أن الصوت الذي اعتدت الاطمئنان إليه كان يخبّئ سكّيناً بين كلماته. في مرّاتٍ أخرى، كان الاكتشاف مُبهجاً، حين يتهاوى القناع ويظهر وراءه قلب أجمل مما توقعت. نعم، ليست كل الأقنعة تخفي شرّاً، بعضها يخفي هشاشة، وبعضها يحجب جمالاً يخشى الظهور. في كل الحالات، كنت أتعلّم. أتعلّم أن أرى ما لا يُقال، أن أميّز النبرة الخافتة التي تخون الكلمة، أن أقرأ لغة الجسد قبل لغة الخطاب.

لستُ أدري هل هذه الحاسّة الجديدة نتيجة التجربة؟ أم أنها نتاج الوجع؟ أم أنني ببساطةٍ بدأت أبحث بجدّية؟ ربما ذلك كله مجتمعاً. ما أعلمه أنني الآن أعيش بيقظة كاملة. لا أعني الحذر، بل الفهم. أصبحت أفهم النية، أسبق الكلمات، وأشمّ رائحة الزيف خلف ابتسامة وديعة.

قد يظن بعضهم أن هذه القدرة هبة ثمينة، وربما هي كذلك، لكنها لا تخلو من ثمن. أن ترى بوضوح يعني أن تخسر راحة الغفلة. أن تعرف ما وراء القناع يعني أن تتحمّل الحقيقة، بكل ما فيها من وجع أو قسوة أو حتى برود. لم أعد أعيش في عالمٍ افتراضيٍّ من النقاء المطلق. صار كل شيء معرّضاً للتشكيك، وكل كلمة تحمل احتمال الخداع. مع ذلك، لا أحنّ إلى سابق عهدي. لا أريد أن أعود إلى العمى الجميل. لأن العيون التي لا تخطئ القناع تمنحك، في النهاية، علاقة أصحّ مع الحياة.

في هذا الطريق، تعلمت أن أُميّز بين من يرتدي القناع خوفاً، ومن يلبسه نفاقاً، ومن يتخذه عادة حتى نسي وجهه الحقيقي. ليسوا جميعاً سيئين، لكنهم جميعاً عابرون، إلا من يخلع قناعه بشجاعة ويبقى. هؤلاء هم القلة الذين يستحقون أن نمنحهم قلوبنا بلا خوف.

ولأنني أصبحتُ محترفة في رؤية ما وراء القناع، بتّ أقلّ احتياجاً للكلمات. لا أحتاج شرحاً ولا اعتذاراً مطوّلاً. أقرأ النية، وأفهم الرسائل الخفية. أغادر قبل أن يُقال لي: "ارحلي"، وأبتعد حين أشعر بأن البقاء لم يعد ضرورةً، بل عادة. أصبحت أختار من أُبقيه قريباً، لا وفق ما يقوله، بل وفق ما لا يستطيع إخفاءه.

إنها ليست قسوة، بل حكمة. حكمة لم تأتِ في ليلة، بل نضجت على نار التجارب والتوقعات المكسورة. حكمة علّمتني أن أثق بحدسي، وأن أمنح نفسي حق الشك، وأن أصدق عينيّ حين تقولان لي إن ما يُقال ليس ما يُقصَد.

ما زالت الحياة تمتحن هذه القدرة كل يوم، وما زال بعضهم يحاول خداعي. لكن ما من أحد يعود كما كان بعد أن يتعلّم الرؤية حقّاً. وما عدت أنا تلك التي تُخدع بسهولة. أصبحت أرى، وأفهم، وأسامح أحياناً، لكنني لا أنسى. لا أكره، لكنني لا أعود.

نعم، لا شيء يدهشني كما كنت أندهش في السابق، إلا قدرتي المتنامية على رؤية الناس على حقيقتهم. قدرة لا أدّعيها بفخر، بل أُقرّ بها كمن وصل إلى مرحلة في الرحلة لا يريد أن يتراجع عنها. مرحلة يصير فيها النور مؤلماً، لكنه حقيقي، ويستحقّ أن نبقى فيه، حتى وإن اختفى كل من لا يحتمل سطوعه.

دلالات
CC19B886-294F-4B85-8006-BA02338302F0
سعدية مفرح

شاعرة وكاتبة وصحفية كويتية، من مجموعاتها الشعرية "ليل مشغول بالفتنة" و"مجرد امرأة مستلقية"، ولها مؤلفات نقدية وكتب للأطفال. فازت بعدة جوائز، وشاركت في مهرجانات ومؤتمرات عدة.