لعبة الدجاجة والبيضة: من أين تبدأ السيادة العراقية؟
كلّما طُرح الكلام، على خلفيّة الأحداث العاصفة في المنطقة، عن ضرورة أن يتخلّص العراق من النفوذ الإيراني السلبي يهبُّ مناصرو الجمهورية الإسلامية محتجّين: وماذا عن النفوذ الأميركي؟ فهو مقدَّم، في نظرهم، على مثيله الإيراني. ويتشعَّب السجال في مواقع التواصل الاجتماعي أحياناً إلى حدٍّ يشبه المعضلة الفلسفيّة: أيُّهما أسبق، الدجاجة أم البيضة؟
وإذا كان هناك اتّفاق على التأثير السلبي للنفوذَين، وأردنا التخلّص منهما في بلدنا، فمن أين تكون البداية، من النفوذ الإيراني أم الأميركي؟ وهل هما متساويان في التأثير السلبي حقّاً؟
في الحقيقة، وضع النفوذَين الإيراني والأميركي في كفّة واحدة تسطيح للوقائع. فالنفوذ الأميركي خارجي تقليدي لدولة كبرى، يعتمد على العقوبات والاتفاقات الأمنية والتحكّم بالدولار. أدواته مُعلَنة، ويمكن التفاوض بشأنها أو تنظيمها عبر قرار سيادي واضح. أمّا النفوذ الإيراني فهو من طبيعة مختلفة؛ نفوذ عضوي متداخل مع بنية الدولة نفسها، يعمل عبر أحزاب وفصائل مسلّحة واقتصاد موازٍ، ويؤسّس فكرة "الدولة داخل الدولة"، بما يضعف الهُويّة الوطنية ويستبدل الولاء المؤسّسي بولاءٍ عابرٍ للحدود.
أميركا قادرة على إيذاء العراق إذا كانت هناك إدارة غير صديقة للنظام السياسي العراقي، لكنّها لا تفعل ذلك عبر مليشيات أو جماعات مسلّحة أو شبكات فساد تُضعف الدولة من الداخل، كما تفعل إيران، بل عبر مسارات قانونية واضحة ومُعلَنة، تأتي من الباب؛ عبر مؤسّسات الحكومة العراقية الشرعية، لا من خلال أذرع "الدولة الموازية" التي تتحرّك في مناطق ضبابيّة ما بين النور والظلمة، وما بين عمل العصابات وعمل الدولة.
التخلّص من النفوذ الأميركي في العراق، أو من "هيمنة أميركا على القرار العراقي" وفق السردية الولائية الإيرانية الشائعة، يُقدَّم بوصفه الأولوية السيادية للعراق. غير أنّ المشكلة أنّ هذه السردية لا تُحدِّد بوضوح حدود انتهاء النفوذ الأميركي وبدء السيادة العراقية: هل كان خروج القوّات الأميركية في أواخر عام 2011 نهايةً لهذا النفوذ؟ أم أن بقاء المؤسّسات الدبلوماسية الرسمية، مثل السفارة الأميركية أو القنصليات في أربيل والبصرة وغيرها، يُعدُّ استمراراً له؟ وهل سيبقى اغتيال المعارضين السياسيين أو الناشطين المدنيين، بحجّة أنّهم "عملاء لأميركا"، مشروعاً مفتوحاً إلى الأبد، أم أن له توقيتات ومعايير واضحة؟
ثمّ إن هذه الفصائل والكيانات السياسية المرتبطة بإيران لا تجيب عن سؤال الدولة ومؤسّساتها؛ فبعد "الخلاص" من النفوذ الأميركي، هل يملك هذا الطرف وعياً حقيقياً بارتباط السيادة الوطنية ببناء مؤسّسات رصينة؟ وهل يدرك أن القرارات الحاكمة في الدولة الوطنية الفعلية تنبع من المؤسّسات، لا من أمزجة الأفراد أو ميول الجماعات؟ وهل تعي هذه الأطراف أن وجودها نفسه يقع خارج فكرة السيادة الوطنيّة وبناء مؤسّسات الدولة، بغضّ النظر عمّا إذا كانت توالي إيران أو موزمبيق؟ فلا فرق في النهاية.
تدرك هذه الأطراف أن معركتها ضدّ أميركا معركةٌ بلاغيةٌ خطابية، تدور في فضاء لغوي، ولأنّها كذلك، فهي لن تنتهي أبداً. والفائدة من هذه المعركة الافتراضية هي تدعيم سلطتها على جمهورها في الداخل، والاستمرار في تفكيك كيان الدولة العراقية الاجتماعي والاقتصادي والمؤسّسي، وإلحاق البلد كلّه بالجارة الشرقية؛ "الدولة الفعلية والحقيقية" في نظرهم.
إن مواجهة النفوذ الأجنبي الذي يضرّ بالسيادة الوطنية أمرٌ بديهيّ ومفروغ منه، لكن ثمّة فرقاً بين أجنبيّ يلعب معك على رقعة شطرنج واضحة وتحت النور، وآخر يخرّب كيان دولتك من الداخل، ويخرّب حتى مفهوم الولاء للدولة والهُويّة الوطنية، فنصبح أمام حالات شاذّة وغريبة في الخطاب المتداول؛ مثل وصف من لا يوالي إيران بأنّه خائنٌ للعراق (!).
وفي معضلة البيضة والدجاجة، فإن أهون الشرور هو بقاء توازن النفوذين الإيراني والأميركي داخل الساحة العراقية، وعدم انفراد إيران وأتباعها بالبلد. أمّا حلّ المعضلة فهو واضح ولا لبس فيه لكلّ ذي عينَين سليمتَين: التخلّص من النفوذ الإيراني المُخرِّب في العراق هو الأولوية الوطنية، وإعادة تصحيح العلاقة بين البلَدين وفق القواعد الدولية لحُسن الجوار، والتفاعل عبر قنوات الدولة الرسميّة. بعدها، وبعد أن تستعيد الدولة العراقية هُويّتها وكيانها ومؤسّساتها، يمكنها أن تواجه أيَّ نفوذٍ سلبيٍّ يأتي من أميركا أو من غيرها.