لماذا يعرض أردني إحدى كِليتَيْه للبيع؟

01 يناير 2026

(صادق أمين خوجة)

+ الخط -

أصدرت إحدى محاكم مدينة الرصيفة، وهي من أكثر المدن الأردنية كثافة سكّانية، حكماً بالسجن عاماً على مواطن عرض إحدى كليتيه للبيع. وليست هذه المرّة الأولى التي يعرض فيها أردني (بل عربي) إحدى كليتيه للبيع لفكّ عُسرة طارئة أو مزمنة، ما يغذّي سوق الاتجار بالأعضاء، وهو مزدهرٌ للأسف. على أن المؤسف في حالة المواطن الأردني أنه عرض كليته للبيع في "فيسبوك"، أي إنه نقل هذه التجارة السوداء من العالم السفلي الذي يتحرّك فيه سماسرة الموت والاتّجار بالأعضاء والبشر إلى منصّة عالمية هي في الأصل للتواصل، محدّداً السعر المطلوب، وهو 25 ألف دينار (نحو 35 ألف دولار)، قائلاً إن دافعه هو الاضطرار لسداد دين في ذمّته.
لم يكن ذلك المواطن مضطرّاً إلى مثل هذه التفاصيل، رغم أنه عرضها بإيجاز، لكنّه، وقد فعل، نقل حالته من خانة المضطرّ إلى المُسوِّق، حتى لو لم يقصد، مستغلّاً ما يُفهم منه فقره الطارئ جرّاء الدين، ما يعني أنه لم يكن يبحث وحسب عن مشترٍ، بل ربما عمّن يُنجد وينقذ.
قبل سنوات قليلة، ظهر مواطن لبناني في مقطع مصوّر قصير يعرض كليته للبيع ليعالج زوجته. وثمّة عشرات الحالات التي نصادفها لعروض مشابهة يتقدّم فيها مواطنون عرب وجدوا أنفسهم بلا أي غطاء مجتمعي أو حكومي – رسمي ينتشلهم من محنتهم. والمؤسف أنك تقرأ في هذه الأيام عن حفلاتٍ باذخة يُحضَّر لها بمناسبة رأس السنة، كما تشاهد مئات المقاطع المصوّرة لنساء ورجال أثرياء، أو محدثي ثراء للدقّة، وهم يتفاخرون بصبيانية مثيرة للغضب والقرف بمقتنياتهم من سياراتٍ أو بيوتٍ فارهة، حديثة البناء مثل ثرواتهم. ولا يندرج تفاخرهم هذا في خانة اكتئاب ما بعد الولادة مثلاً أو المليون الأول، بل في سياق فقرهم وخواء حياتهم من أي معنى.
لماذا يلجأ أردني لبيع كليته؟ بسبب الفقر أو الاضطرار القاهر قولاً واحداً، وليس بسبب المزاج المتقلّب أو رؤيته السريالية للحياة، بما فيها جسده وأعضاؤه. وللأسف، التحق الأردن بشقيقاته العربيات الفقيرات منذ سنوات؛ فلا طبقة وسطى، بل اثنتان: فقيرة وتكاد تكون مُعدمة، وغنية وتكاد تكون فاحشة، وما بينهما فراغ أخلاقي موحش لم تنجح الدولة، التي تفتقر إلى الموارد الحقيقية، في ردمه.
وإذا كنتَ أردنياً أو تعيش هناك، فإنك تحتاج إلى ما لا يقل عن 600 دينار أردني (نحو 850 دولاراً) شهرياً لتتدبّر أمورك وأسرتك، علماً أن متوسّط الدخول أقلّ من ذلك بنحو مائتي دولار. وثمّة من يرى هذه الأرقام مضلّلة، أو على الأقلّ غير واقعية، ويقول إن الأسرة الأردنية تحتاج نحو ضعف الرقم السابق، أي إلى ما يزيد عن 1200 دينار (نحو 1700 دولار) في الشهر لتغطية مصاريفها، وهناك من يزيد ويؤكّد أن المطلوب يصل إلى نحو ألفي دينار أردني (نحو 2800 دولار)، والحال هذه، فإن كِلية واحدة أو اثنتين لا تكفيان.
ماذا على الحكومات الأردنية أن تفعل؟ ليست الحكومات في العالم مسؤولة عن حماقات بعضهم أو إسرافهم، لكنّها مسؤولة عن بقائهم على قيد الحياة، وبعضها يرفع السقف ويُعنى برفاهية مواطنيه، وهو ما لا ينطبق على الأردن محدود الموارد. ورغم ذلك، تقدّم السلطات هناك مساعداتٍ لمئات الآلاف من الأسر، منها نحو مائة ألف أسرة تتلقّى إعانات نقدية من صندوق المعونة الوطني، وهذا ما يخفّف من حدّة المشكلة، لكنّه لا يحلّها بالطبع، في بلاد تقول دراساتٌ، غير موثّقة، إن ثلث سكّانها (نحو أربعة ملايين نسمة) يعيشون تحت خط الفقر.
ولا يُعرف في حالة المواطن الذي عرض كِليته للبيع سوى أنه حُكم عليه بالسجن، لكن ماذا عن عُسرته؟ وهل حُلّت؟ فلا معلومات بعد، ما يعني أن المشكلة نفسها لم تُحلّ؛ ذلك أنها لا تقع في مجالات اهتمام الهيئات الاجتماعية الرسمية وشبه الحكومية، بل في مجال آخر: مؤسّسي غير موجود فعلياً لنقص الموارد، واجتماعي لنقص الحسّ الأخلاقي لدى كثيرين. وهو ما يتضح أكثر في حالة المواطن اللبناني، إذ لم نعثر أو نقرأ عن متبرّع (ثري أو مستشفى خاص) هرع لعلاج زوجة ذلك الرجل المنكوب، ما يشير ربّما إلى أننا كلّنا نعيش في مجتمعات فقيرة تنشغل في أيامنا هذه بالاحتفالات بعامها الجديد بمزيد من السفَه والإسراف، وبكثير من غياب المعنى.

زياد بركات
زياد بركات
قاص وروائي وصحفي فلسطيني/ أردني، عمل محررا وكاتبا في الصحافتين، الأردنية والقطرية، وصحفيا ومعدّا للبرامج في قناة الجزيرة.