ماذا تبقى من عقيدة المحيط الإسرائيلية؟
تعود نشأة عقيدة المحيط/ الأطراف إلى منتصف خمسينيّات القرن الماضي، حين انشغل رئيس الحكومة الإسرائيلية ديفيد بن غوريون، ومستشاروه، في كيفية مواجهة البيئة العدائية في العالم العربي، وتخطّي حالة العزلة الإقليمية التي عاشها الإسرائيليون، ومن ثم كان القرار بإقامة علاقات مع الدول أو الجماعات العرقية المحيطة بالعالم العربي، وبناء تحالفات قوية معها. وفي هذا السياق، عملت إسرائيل حينها على بناء علاقات قوية مع تركيا وإيران والأكراد وإثيوبيا. في كتابه "المحيط... إسرائيل تبحث عن حلفاء في الشرق الأوسط" (2015)، يشير الباحث الإسرائيلي يوسي ألبير إلى المراحل والتطوّرات التي مرّت بها عقيدة المحيط، وكيف كانت ركيزةً أساسيةً في سياسة إسرائيل الخارجية والدفاعية منذ قيام الدولة، ووسيلةً لإيجاد علاقات إقليمية وحلفاء محتملين في البيئة المحيطة بالعالم العربي المعادي. وتنبع أهمية الكتاب من أنّ ألبير كان عضواً بارزاً في الموساد الإسرائيلي أوكلت إليه مهامّ كبيرة في بعض المسارات التي تنطلق من هذه العقيدة، إضافة إلى أنّه كان مديراً لمركز جافي للدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية في جامعة تل أبيب، الذي تغيّر اسمه لاحقاً ليصبح معهد دراسات الأمن القومي.
يبدو العامل الزمني والتاريخي ذا أهمية كبيرة في فهم التغيّرات والتحوّلات التي تعرّضت لها عقيدة المحيط، فقد أثّرت الأحداث والتطوّرات السياسية التي شهدتها المنطقة في منطلقاتها، وتعديلها بالضرورة. فمع توقيع اتفاق السلام مع مصر في 1979 تراجع التصوّر الكلاسيكي لهذه العقيدة، وبدأ التخلّي التدريجي عنها، خصوصاً أنّ هذا المتغيّر تزامن مع الثورة الإسلامية في إيران التي وقعت في العام نفسه، وحوّلتها تدريجياً إلى مصدر تهديد لإسرائيل. ومع انعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ثم اتفاقات أوسلو عام 1993، وتوقيع اتفاقية وادي عربة مع الأردن عام 1994، بدا أنّ إسرائيل أصبحت أكثر اندماجاً مع البيئة المحيطة التي تأسّست عقيدة المحيط من أجل مواجهتها.
لكن عوامل جديدة أعادت العقيدة إلى بؤرة الاهتمام بتصوّرات مختلفة. فمع صعود الإسلام السياسي في العالمين العربي والإسلامي: في إيران، وحزب الله في لبنان، وحركة حماس في غزّة. علاوة على تركيا تحت قيادة رجب طيّب أردوغان، وتصدّر الإخوان المسلمين المشهد في مصر في عامَي "الربيع العربي"، شعر الإسرائيليون بأنهم محاطون بدائرة عداء واسعة، بعض مكوّناتها اعتمدت عليها إسرائيل في عقيدة المحيط في صورتها القديمة. وهكذا كان عليها التفكير في محيط جديد، أو ما يُسمّى أحياناً بـ"المحاور"، أو بـ"دوائر الاحتواء/ الأقواس" لتجاوز هذه الدائرة. وعلى هذا الأساس، ركّز أصحاب التصوّر الجديد على أن تقوّي إسرائيل علاقاتها بقبرص واليونان وبلغاريا للإحاطة بتركيا، وإقامة علاقات متميّزة مع أذربيجان للإحاطة بإيران، ودعم الأواصر مع إثيوبيا وجنوب السودان وكينيا، وربّما إريتريا، للإحاطة بجنوب العالم العربي. بل إنّ تعزيز العلاقات بين تل أبيب ونيودلهي في الأعوام الماضية ينبغي أن يُفهم في سياق أوسع يتخطّى حتى تصوّر المحيط الجديد.
ويواجه هذا التصوّر الجديد عدّة انتقادات حتى في الأوساط البحثية والاستراتيجية في إسرائيل؛ فهو من ناحية لا ينبني على أساس منطقي في تقسيم الشرق الأوسط إلى مركز وأطراف، على عكس التصوّر الكلاسيكي الذي كان يميّز بوضوح بينهما. ومن ناحية أخرى، يبدو المرشّحون للعقيدة الجديدة أكثر ضعفاً وأقلّ مكانةً من الناحية الاستراتيجية مقارنةً بالأطراف القديمة؛ فبينما كانت لدى إيران وتركيا القدرة على ترهيب الجيران العرب في العقيدة القديمة، تعاني كلٌّ من قبرص واليونان من أزمات مالية خانقة، فضلاً عن محدودية قدراتهما العسكرية، أمّا بلغاريا فهي دولة "فاسدة ومتخلّفة"، بحسب المنظور الإسرائيلي، بينما تُعتبر أذربيجان دولةً ديكتاتوريةً يديرها نظام قمعي يحكم عدداً محدوداً من السكّان (10.5 ملايين نسمة).
تطوّرت "عقيدة المحيط" الإسرائيلية استجابةً لمحاولة تجاوز العزلة الإقليمية
ثمّة تصوّر آخر لهذه العقيدة أطلق عليه كبير الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، يوئيل جوزانسكي، تسمية "عقيدة المحيط المعكوس". فقبل "طوفان الأقصى" (2023)، كان الإسرائيليون يرون أنّ البيئة العربية أصبحت أكثر انسجاماً مع المصالح الإسرائيلية، خصوصاً بعد اتفاق أبراهام، وتواتر الأنباء حينها عن قرب التطبيع مع السعودية، ومن ثم تعمّقت علاقات إسرائيل بالعالم العربي الذي نشأت العقيدة أصلاً لمواجهته، علاوة على تعزيز إسرائيل علاقتها ببعض دول شرق المتوسّط. وفي الوقت ذاته، كانت إسرائيل تعتبر إيران تهديداً وجودياً، وتركيا تحدّياً استراتيجياً. في هذا المناخ، أخذت العقيدة مساراً معكوساً، وبدأت إسرائيل، بحسب جوزانسكي، "تعمل وفق عقيدة المحيط المعكوس"، بمعنى أنها اتّجهت إلى توثيق العلاقة مع العالم العربي في القلب لمواجهة التحدّيات التركية والإيرانية في الأطراف.
تكشف هذه التحوّلات في عقيدة المحيط الإسرائيلية أنّ إسرائيل ظلّت تعتمد طوال الوقت على تقوية علاقتها بالأنظمة، ولذلك فإنّ أغلب التأثيرات السلبية والتعديلات التي طرأت على هذه العقيدة كانت نتيجة لتغيّر النظم الحاكمة في العالمَين العربي والإسلامي. يؤكّد ذلك ما ذكره ألبير حول عدم قدرة هذه العقيدة على إنشاء "تحالف حقيقي" إلا في حالة الأكراد والسودانيين الجنوبيين. صحيح أنّ باحثين إسرائيليين كثيرين قد يستخدمون تعبير "التحالف الحقيقي" في وصف متانة العلاقة التي شكّلتها إسرائيل مع الدول أو الكيانات على أساس هذه العقيدة، لكنّ باحثين آخرين يعتقدون أنّ هذه العلاقات تأسّست في مجملها على أساس المصلحة، سواء من جانب إيران أو تركيا أو إثيوبيا، أو المملكة المغربية طرفاً في هذه العقيدة في بعض تصوّراتها، وهي مصلحة كانت نابعة من خوف مشترك من فكرة القومية العربية، واعتبار إسرائيل مدخلاً للعلاقة الوثيقة مع واشنطن.
وإذا كان ما سبق يمثّل البعد الجغرافي لعقيدة المحيط في تصوّرات مختلفة؛ قديمة أو معكوسة أو جديدة، فثمّة بعد آخر للنظرية يركّز على الجانب العرقي والطائفي. كان أصل العقيدة يعتمد على إقامة علاقات مع دول تحيط بالعالم العربي بهدف خلق نوع من التوازن وصناعة بيئة ضاغطة على العواصم العربية، وهذا الهدف سعت إسرائيل أيضاً إلى تحقيقه عبر المدخل العرقي والطائفي من خلال توثيق علاقتها بمجموعات عُرفت بالسعي إلى الانفصال والرغبة في الاستقلال. في هذا الإطار، وثّقت علاقتها بالأكراد، وببعض المجموعات المارونية في لبنان، وبجيش التحرير الشعبي السوداني، وعمّقت علاقتها مع الدروز في سورية، خصوصاً بعد سقوط نظام الأسد، علاوة على محاولات لم يُكتب لها نجاح ظاهر مع الأمازيغ في المغرب العربي. ووفق شهادات مسؤولين سابقين في "الموساد"، لم يكن دعم هذه المجموعات يمثّل عبئاً مالياً على إسرائيل، وهو ما أدّى إلى تحقيق نجاحات في هذا المسار. وفي هذا الصدد، ثمّة شهادات إسرائيلية لا تخلو من مبالغة، يقول بعضها إنّ "تكلفة العمليات التي كانت إسرائيل تنفّذها مع الأكراد أو السودانيين الجنوبيين كانت أقلّ من تكاليف صيانة طائرة مقاتلة".
ظلّت إسرائيل تعتمد طوال الوقت على تقوية علاقتها بالأنظمة، ولذلك فإنّ أغلب التأثيرات السلبية والتعديلات التي طرأت على هذه العقيدة كانت نتيجة لتغيّر النظم الحاكمة
وعلى الرغم من الاستفادة التي حقّقتها إسرائيل من علاقاتها المبنية على هذه العقيدة، يرصد كتّاب إسرائيليون عيبَين لها؛ أولهما أنّ علاقة إسرائيل بدول المحيط لم تعزّز مكانة تل أبيب السياسية في واشنطن بسبب اعتماد العلاقة بينهما على قضايا وجهات فاعلة لا علاقة لها بدول المحيط. ويرتبط العيب الآخر بالثقة الزائدة لدى الحكومات الإسرائيلية، وخصوصاً حكومات شارون ونتنياهو، في قدرتها على تسويق ما تتّفق عليه مع الولايات المتحدة في قضايا تخصّ المنطقة عبر الاكتفاء بإبلاغ دول المحيط ببنود أيّ اتفاق تتوصّل إليه الإدارتان الأميركية والإسرائيلية، وهو ما كان رئيس الموساد الأسبق (بين 1998 و2002) إفرايم هاليفي، يعتبره تدميراً لقدرات إسرائيل الإقليمية نتيجة الإفراط في الثقة. ولو طبّقنا هذَين العيبَين على أساس مفهوم "عقيدة المحيط المعكوسة"، يمكن القول إنّه يتطابق إلى حدّ بعيد مع ما حدث في الحرب الحالية التي تشنّها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران بمعزل عن مصالح دول المنطقة، وفي مقدّمها دول الخليج العربي، رغم العلاقات الممتازة التي يقيمها بعضها مع الكيان الصهيوني منذ اتفاق أبراهام، بل وحتى قبله.
يشير ما سبق إلى أنّ عقيدة المحيط، سواء في صورتها الكلاسيكية أو الجديدة أو المعكوسة أو حتى في شكلها العرقي والطائفي، وإن كانت نشأت ثم تطوّرت استجابةً لمحاولة تجاوز العزلة الإقليمية ومواجهة التهديدات التي واجهتها إسرائيل منذ تأسيسها، ونجحت بدرجات متفاوتة في بناء شبكات من العلاقات والتحالفات التي خفّفت من حدّة هذه العزلة على المستوى الرسمي والسياسي... وإن كانت كذلك، إلا أنّها بتحوّلاتها كلّها تبدو عاجزةً عن تجاوز نوع آخر من العزلة أكثر عمقاً وتأثيراً. فنتيجة لجرائم الحرب التي ارتكبتها دولة الاحتلال في العامَين الماضيَين، وتهديدها دول الإقليم كلّه، وبقائها مصدراً دائماً للتوتّر في المنطقة، وجرّها واشنطن إلى حرب يدرك أغلب الأميركيين أنّها ليست حربهم، تواجه إسرائيل عزلةً نفسيةً وشعبيةً عالميةً متزايدة، وهو ما سيؤدّي إلى تداعيات خطيرة على مستقبلها في المنطقة، ويؤثّر في أيّ تصورات استراتيجية تضعها في المستقبل.