ماذا لو خطف ترامب رئيسك؟

06 يناير 2026   |  آخر تحديث: 01:40 (توقيت القدس)
+ الخط -

ليست هذه المرة الأولى التي تختطف فيها الولايات المتحدة رئيس دولة أخرى، كما فعلت قبل أيام مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو؛ فقد سبق أن فعلتها، بالوضوح نفسه، في 3 يناير/ كانون الثاني 1990 مع حاكم بنما مانويل نورييغا، وفعلتها غير مرّة بطرق ملتوية، على نحو ما حدث في مارس/ آذار 2004 مع رئيس هايتي جان برتران أريستيد، الذي قال إن أميركا اختطفته وأجبرته على مغادرة بلاده، فيما نفت الإدارة الأميركية وقتها وزعمت أنه من اختار الرحيل "حقناً للدماء".
ولكن هذه المرّة مختلفة بالنسبة إلى الوطن العربي. صحيحٌ أننا متفرّجون، لكننا أدركنا بعد حرب إبادة غزّة (وهنا أقصد كل مواطن في بيته) أننا في مرمى النيران، وأن ما يحدُث لغيرنا قد يحدُث لنا. ولا يحول بيننا وبينه أن أغلب نظمنا السياسية وكلاء للمستعمر، وأنهم رجاله وأدواته؛ فلا شيء مضموناً طالما لا قواعد. ومن ينتهك القانون ينتهك ما دونه. ولذلك نشعر بالخوف كما نشعر بالإهانة.
قد يبدو الحديث حالياً عن تجربة مادورو بوصفها استبدادية (ولذلك "يستحقّ") نوعاً من "الليبرالية الناشفة" الخالية من ماء الحياة (والحياء). لكن لا شيء يحول دون الإحساس البديهي بالقهر؛ لا من أجل مادورو، بل من أجل مفهوم "الأمن" نفسه، فضلاً عن القوانين والحقوق وكل ما يشكل "معنى" الدولة الحديثة، والذي انهار تماماً. ولن يكون ذلك مجّاناً؛ بل له ثمن ستدفعه الولايات المتحدة، مع غيرها، وعلى غير ما تظن أو تصوّر لها أوهام القوة.
ويبقى السؤال الحاضر في لاوعينا، ويحق لنا أن نحرّكه إلى خانات الوعي (ولو على سبيل تشغيل "الخيال السياسي" لا "الفعل" المُجرَّم عربياً وعالمياً الآن) ماذا لو قرّر ترامب خطف رئيسكَ؟ ما موقفكَ؟ ما انحيازكَ؟ ما دوركَ؟ هل ستفعل شيئاً؟
طرحتُ السؤال في اليومَين الماضيَّين على أصدقاء فاعلين في المجال العام، وكان المشترك في إجاباتهم جميعاً، ومن مختلف الجنسيات العربية، أن لا شيء لدينا يستحق العناء الأميركي؛ فالثروات في أيديهم، وكذلك حكّامنا.
لكن الخيال يقتضي تجاوز ذلك، وافتراض حدوث ما لا نتوقّعه. وفي سبيل التحريض على إجابة جادّة، حكيت قصّة المحاولة الفاشلة للانقلاب العسكري على الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان في 15 يوليو/ تموز 2016، إذ تحرّك لمقاومة الانقلاب (كما رأيت) أطياف الشعب التركي كافّة: آلاف الأتراك "العاديين"، ومن التيارات السياسية المناهضة لحكم أردوغان ولتجربته ولشخصه. ذلك لأنهم، وفق تجربتهم وشهاداتهم معي في حوارات مباشرة بعد ذلك، يدركون الفارق المهول بين سلطوية رئيس منتخب داخل منظومة سياسية لها قواعد وحكم العسكر الذي ليس فيه قواعد سياسة ولا حياة سياسية ولا حياة أصلاً. ثمّة شيء يستحقّ، شيء كبير وفارق ومهم (شيء رغم كل شيء). فهل ثمّة شيء مثل هذا لدينا؟ هل ثمّة ما يستحق التحرّك من أجل رئيس عربي مختطف؟
أما الإجابات "السياسية" فكانت، وبوضوح: لا. لا شيء يستحق، ولا فرق بين محتل محلّي وغيره، بين وكيل ومُوكَّل. ولن يتغيّر شيء في حياة الناس، وربما (مع الأسف!) ستتغيّر إلى الأحسن في بعض وجوهها. أما الكرامة الوطنية فمنتهكة في الداخل، ولن تزداد انتهاكاً على يد ترامب أو غيره. فلا مجال، ولا قعر أسفل مما نحن فيه، بتعبير صديق لبناني.
أما الإجابات العاطفية (وهي مقدّرة) فذهبت إلى أن الرئيس العربي عربي، والمختطِف غريب، وحذاء العربي "أنظف" من الغريب، و"أنا وأخويا على ابن عمّي، وأنا وابن عمّي على الغريب". وهي إجاباتٌ لا يمكن استبعاد منطقها؛ فهو في الغالب منطق الأغلبية. لكن اللافت أن أصحابها اتفقوا مع مخالفيهم على "مُحدِّد" واحد: أنه لا فرق "حقيقياً" في حيوات المحكومين قبل خطف الحاكم العربي وبعده، ولو كان ثمّة فارق إيجابي فهو مع الخطف لا ضدّه (!)، وهي مفارقةٌ لا تبرّر الاحتلال بقدر ما تقدّم "تفسيراً مرعباً" لغياب المناعة ضدّه.

3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
محمد طلبة رضوان
محمد طلبة رضوان