ما أشبه الليلة بالبارحة... مؤتمر القاهرة 1921

08 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 03:13 (توقيت القدس)

تشرتشل بين أعضاء لجنة ميسبوت لمناقشة مستقبل الدول العربية بمؤتمر القاهرة (1/1/1921 Getty)

+ الخط -

حالة انعدام الوزن الاستراتيجي عربياً، وتفكّك دول عربية عديدة، والنقاش السرّي والعلني، ومخطّطات تشكيل منطقة الشرق الأوسط... ذلك كلّه يستدعي الأعوام التي تلت الحرب العالمية الأولى 1918، وإرهاصات تفكّك الدولة العثمانية (تحوّلت لاحقاً إلى تركيا الحديثة بيد مصطفى كمال أتاتورك)، وما سمّيت حينها "المسألة الشرقية"، أو "دبلوماسية الشرق الأوسط"، وتقاسم النفوذ الدولي البريطاني والفرنسي، واتفاقية سايكس بيكو التي ينسب إليها تقسيم الشرق الأوسط الحديث، ووعد بلفور، ثمّ مؤتمر سان ريمو 1920 في إيطاليا، وقبله مؤتمر السلام في باريس 1919... إلخ.
يشير المؤرّخون والسياسيون (عادةً) إلى تلك المؤتمرات بوصفها صنعت الشرق الأوسط الجديد، إلا أن رئيس قسم التاريخ في جامعة تنديل الكندي سي. برادفوت يرى في كتابه "القاهرة 1921... قصّة الأيام التي شكّلت الشرق الأوسط" (صدرت نسخته الإنكليزية ضمن منشورات جامعة ييل 2022، وترجمته العربية عن دار مدارات للأبحاث والنشر، 2024) أنّ المؤتمر الحاسم والمهمّ في تشكيل الشرق الأوسط هو الذي عقده وزير المستعمرات حينها ونستون تشرشل في فندق سميراميس في القاهرة (في الثلث الثاني من مايو/ أيار 1921)، إذ جرى فيه تكريس الجغرافيا السياسية، وتحديد الإطار السياسي الذي سيحكم منطقة الشرق الأوسط.

صمدت الصيغة الجيوسياسية التي أُقرّت في مؤتمر القاهرة 1921 لما يزيد عن قرن، وهناك اليوم مخطّطات جديدة لدى أميركا تدخل فيها أجندة نتنياهو لـ"إسرائيل الكبرى"

يكشف برادفوت، الذي كرّس جزءاً كبيراً من اهتماماته البحثية في دراسة التاريخ الحديث لمنطقة الشرق الأوسط، أنّه بدأ يدرك أهمّية مؤتمر القاهرة (ذلك) وهو يعمل في كتابه عن السيرة السياسية لإدموند ألنبي (القائد البريطاني العسكري الذي قاد التجريدة المصرية في الحرب العالمية الأولى، واستولى على القدس في العام 1917، وأصبح لاحقاً مفوضاً بريطانياً في مصر والسودان)، وتنامت لدى المؤلّف أهميةُ المؤتمر من خلال رسائل ألنبي الشخصية، التي كشفت أهميته بالنسبة لتشكّل المنطقة وديناميكياتها المقبلة.
في مؤتمر القاهرة 1921، الذي ترأسه تشرشل، ومعه الموظّفون البريطانيون البارزون في كلّ من العراق وفلسطين ومصر وأفريقيا، وبلغ عددهم قرابة 40 شخصاً (أطلق أحدهم على المجموعة مصطلح الأربعين حرامي)، أُقرّت الترتيبات الجديدة في المنطقة، واتُّفق فيه على تأسيس دولة العراق، التي كانت تنقسّم خلال المرحلة العثمانية بين عدّة ولايات بصيغتها الجغرافية الحالية، برئاسة الملك فيصل الأول، وفيها أيضاً حُسِم موضوع فصل شرق الأردن عن وعد بلفور الشهير في 1917، وبالتالي أُنشئت إمارة شرق الأردن، وهو ما أًطلق عليه في قسم الشرق الأوسط (في وزارة المستعمرات البريطانية حينها) "الحلّ الشريفي"، بينما كان توجّه تشرشل (كما تؤكّد وثائق الكتاب) إقرار وعد بلفور في فلسطين مع ضمان حقوق الفلسطينيين واليهود على السواء في تلك الأرض، بينما تقرّر في المؤتمر نفسه عدم المضي في إنشاء دولةٍ للأكراد مستقلّة، وإقرار حكم ابن سعود على الحجاز ونجد وتطوير العلاقة معه، بما يعزّز حالة الاستقرار الإقليمي الجديد، ويُحجّم الصراع بينه وبين الهاشميين في العراق والإمارة الجديدة في شرق الأردن.
على الرغم من توالي الأحداث والتطوّرات السياسية الكُبرى بعد مؤتمر القاهرة، والحرب العالمية الثانية لاحقاً، ثمّ الحرب الباردة منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى نهاية العقد الثامن منه، ووراثة أميركا التركة البريطانية، إلا أن تلك الصيغة الجيوسياسية التي أُقرّت في مؤتمر القاهرة، وقبله في مؤتمرَي سايكس بيكو وسان ريمو، صمدت في منطقة الشرق الأوسط لما يزيد عن قرن، لكن (على ما يبدو) هنالك اليوم مخطّطات جديدة وفِكَر مختلفة لدى الإدارة الأميركية الجديدة، ويدخل في خطّ هذا التخطيط مرّة أخرى العامل اليهودي، عبر أجندة بنيامين نتنياهو، التي ترى أنّ الوقت قد حان للمضي خطوات جديدة في مشروع "إسرائيل الكُبرى"، والعمل في بناء معادلة استراتيجية جديدة في المنطقة العربية، تسمح بتنامي النفوذ الإسرائيلي إقليمياً، لكن الأكثر أهميةً من ذلك، استكمال وعد بلفور عبر طرد الفلسطينيين بصورة أكبر من فلسطين.

رأى تشرشل أنّ وعد بلفور لا يعني طرد الفلسطينيين، بل إقامة وطن لليهود بجوارهم، بينما يُصرّح ترامب بسياسة تهجير الفلسطينيين

اليوم هنالك حديث دولي متزايد منذ مرحلة الرئيس باراك أوباما بشأن ما قاله (في مقابلته مع مجلّة أتلانتيك 2016، مع الصحافي جيفري غولدبيرغ) إن "النظام الذي تشكّل في أعقاب الحرب العالمية الأولى بدأ يتفكّك"، فالقناعة الأميركية المتنامية والمتدحرجة تتمثّل في أنّ الجغرافيا السياسية، التي شكّلتها "دبلوماسية الشرق الأوسط" بعد الحرب العالمية الأولى، لم تعد قابلةً وقادرةً على الاستمرار، وإذا كان "الحلّ الشريفي" في تلك المرحلة قد أدّى إلى توحيد العراق تحت حكم الملك فيصل الأول، وإخراج شرق الأردن من وعد بلفور، بالإضافة إلى تشكّلات سورية ولبنان بالصيغة الجغرافية الراهنة، وتأكيد وعد بلفور قيام دولة إسرائيل في المنطقة، فإن الحديث اليوم هو عن "وعد ترامب" (أطلقه خلال حملته الانتخابية أخيراً بتوسيع رقعة إسرائيل) يمثّل اليوم استئنافاً، بل توسيعاً لوعد بلفور.
كان تشرشل (الذي كان يؤكّد أنّه صهيوني) حينها يرى أنّ وعد بلفور لا يعني طرد الفلسطينيين من أرضهم، لكن إقامة وطن لليهود في جوارهم، بينما يُصرّح ترامب بسياسة التهجير، وبإنهاء ملفّ اللاجئين الفلسطينيين، وإلغاء صفة الاحتلال عن إسرائيل للأراضي الفلسطينية، فضلاً عن تأييد تهويد القدس وضمّ أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، فيما تؤشّر السياسات الإسرائيلية الجديدة إلى وجود خطّة أكبر من ذلك بكثير، تتمثّل بتقسيم جديد للمنطقة العربية، وهي الخطّة التي يبدو أنّها مشروع قديم - جديد في أدراج الصهيونية العالمية.

محمد أبو رمان
محمد أبو رمان
أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع.