ما بين نيويورك وغزّة

11 نوفمبر 2025

تظاهرة في مانهاتن بنيويورك تتضامن مع فلسطين (7/10/2025 الأناضول)

+ الخط -

اكتسح المرشح الهندي المسلم، زهران ممداني، قبل أيام، الانتخابات لمنصب عُمدة نيويورك، بتصويت 78% من الشباب، وأكثر من 80% من النساء ضمن الفئة (18 - 29 عاماً) لمصلحته، مقابل 18% صوّتوا لمصلحة منافسه حاكم نيويورك أندرو كومو. ورغم حملات التشويه والدعاية المضادّة والتمويل السخي لمنافسيه، وكذلك اتهامه بمعاداة السامية ودعم الإرهاب، وحتى عدم النظافة، نجح ممداني في استقطاب الغالبية الساحقة من الشباب في المدينة، تحديداً بفضل التركيز على غلاء المعيشة، وفقر الخدمات، ومواقفه المعارضة الإبادة الجماعية في غزّة، والأخيرة هي ما تثير جنون كلا التيارَيْن الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة.
تعرّف "جيل زد" في الولايات المتحدة إلى حرب الإبادة الإسرائيلية عبر منصّات السوشيال ميديا التي يتابع منها أغلب شباب اليوم الأخبار المحلّية والدولية. ففي تقرير نشره أحد مراكز استطلاع الرأي، فإن نحو 40 - 43% ممن دون 30 عاماً، المنتمين فكرياً إلى التيار الديمقراطي في الولايات المتحدة، يتلقّون الأخبار اليومية من "تيك توك" و"إنستغرام"، مقارنة بـ10 - 11% من الفئة الأكبر سنّاً (50 - 64 عاماً).

ما يجمع حرب الإبادة في غزّة وأزمات الغلاء والسكن في نيويورك تكتّل مصالح المال والسلاح والسياسة

أضِف إلى ذلك انتشار المحتوى الدعائي لجيش الاحتلال ضمن استراتيجيات الأمن القومي، فتستعمل إسرائيل المنصّات المجانية لعرض المحتوى البصري المُسجَّل واللحظي في ترويج لقطات القتال والسرديات والأطر الأيديولوجية وبناء الرموز. والهدف، بحسب دراسة مُحكَّمة نشرتها جامعة لوند العام الجاري (2025)، في "تيك توك" و"إكس" تطبيع العسكرة والعنف، واستعراض واقع الإبادة، باعتباره نزاعاً متكافئ الأطراف، يؤدّي فيه الجيش الإسرائيلي استعراضات العنف (performative violence) بصورة تحشد الدعم العاطفي لسرديّته، في حين تنشر قنوات تليغرام (تديرها وحدة الحرب النفسية) مستوى بصرياً أعلى للعنف، لأهداف نفسية وهُويَّاتية وردعية.
ولكن هذا لم يُسعِف في حشد تأييد "جيل زد" في تلك المنصّات، إذ تشير الدراسات إلى انتشار المحتوى المعارض للحرب الإسرائيلية على غزّة، لا سيّما بين الشباب الأميركي. وفي تقرير حديث صدر مطلع الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، حُلِّلت الوسوم (الهاشتاغات) المرفقة بمشاركات المستخدمين، وفي مقابل مقطع واحد مؤيّد لإسرائيل (صادر في سبتمبر/ أيلول 2025) كان هناك 17 مقطعاً مؤيّداً لفلسطين، وحتى إن لم تكن تلك المقاطع كلّها بدرجة عالية من الانتشار، فإن متوسّطها، بحسب الدراسة، 472 مشاهدة في مقابل 565 مشاهدة للمقطع المؤيّد لإسرائيل.
تعاملت إسرائيل مع واقع الجيل السياسي المعارض لها بسياسات الحظر والرقابة والضغط على إدارة "تيك توك" لمسح الحسابات المعارضة لإسرائيل، على غرار الضغوط من أجل رقابة منهجية على المحتوى المؤيّد لفلسطين في "إنستغرام" و"فيسبوك" منذ أواخر 2023، لغرض الوصاية والتحكّم فيما يراه أو لا يراه "جيل زد"، فضلاً عن نشر المحتوى الإعلامي المُضلِّل بالتلاعب بخوارزميات استعراض المحتوى. وفي وقت سابق من عام 2025، وصل الأمر إلى حدّ شراء تأييد مؤثّري "السوشيال ميديا" لأجل ترويج السرديات الإسرائيلية. إنها تلك الوصائية في التوجيه والحجب والتضليل، وادِّعاء الفوقية المطلقة للهُويَّة الصهيونية، والانتشاء المفرِط بالعنف الدموي تجاه الأطفال والمدنيين الأبرياء، هو الذي حشد توجّهات الشباب دون الـ30 عاماً ضدّ السردية الإسرائيلية واتهاماتها الجاهزة بدعم الإرهاب أو معاداة السامية. في استطلاع للرأي حول توجّهات "جيل زد" تجاه حرب الإبادة، ظهر واضحاً انقسام الشباب أثلاثاً بين المعارضة والتأييد وعدم القرار، الأمر الذي يمثّل كسراً لتابو الإجماع السياسي على دعم الولايات المتحدة إسرائيل. فضلاً عن هذا، أشارت دراسات عديدة إلى حساسية "جيل زد" العالية تجاه المصداقية ورفض التضليل والوصائية والتوجيه المؤدلج والتلقين الحزبي/ المؤسّسي. ففي دراسة على 600 طالب/ة من جامعة هارفارد، أوضحت النتائج حساسية الشباب لدور الخوارزميات الإعلامية في بناء الواقع السياسي وتشكيل الهُويَّات، وكذلك ميولهم إلى المنصّات التي تتيح التعبير الذاتي غير المُفلتر، ما يفسّر انتشار "تيك توك" الواسع بين الشباب، في مقابل وسائل التواصل الاجتماعي الشائعة بين الأجيال الأكبر سناً، التي تواجه تشكيكاً منهجياً من "جيل زد" في مصداقيتها وضجيجها الخوارزمي.

تعاملت إسرائيل مع واقع الجيل السياسي المعارض لها بسياسات الحظر والرقابة والضغط

هكذا يتضح لماذا فاز زهران ممداني بالغالبية الساحقة من أصوات الشباب في نيويورك، فرفض الوصاية السياسية والخوارزمية من جهة، والهوّة السحيقة بين مصالح الساسة وشركات السلاح و"أيباك" وأثرياء العالم من جهة أخرى، والاحتياجات الآدمية الملحّة لمن سواهم، سواء للطعام والمأوى والأمن في غزّة، أو للطعام والمأوى والرعاية والأمن أيضاً في نيويورك. وبالرغم من استحالة المقارنة بين حرب الإبادة في غزّة (لم يسبق مثيل لها في التاريخ الحديث) وأزمات الغلاء والسكن والرعاية وعدم العدالة في نيويورك، فإن ما يجمعهما في طرف واحد تكتّل مصالح المال والسلاح والسياسة ضدّ مصالح الأفراد واحتياجاتهم الملحّة للأمن والمعيشة الكريمة؛ ذلك التكتّل الذي أصبحت به سياسات الحزبين المسيطرَيْن في الولايات المتحدة محض خلافات شكلية لا تمسّ أرض الواقع أبداً، تكتّل أفرغ شعارات الديمقراطية ومبادئها من فحواها. وفي زمن تتدافع فيه الأموال إلى المُرشَّح الداعم للوضع القائم، اختار شباب نيويورك صوتاً يُسمِّي الأشياء بمسمّياتها: مدينة قابلة للعيش، حقّ في حياة آمنة، ورفض للوصاية الأيديولوجية على السياسة. باختصار، صوّت أولئك الشباب لحسابات الحياة قبل حسابات القوّة والمال.

سناء االبنا
سناء االبنا
سناء البنا
كاتبة وباحثة مصرية في الاجتماع السياسي
سناء البنا