معركة بلا ضجيج... اقتصاد العراق في 2026
خلف ضجيج السجال الجاري في العراق حول اختيار الرئاسات الثلاث (البرلمان، والدولة، والحكومة)، والتجاذبات بشأن إنهاء ملفّ المليشيات وسلاحها المنفلت، والشروط الأميركية الموضوعة في سبيل ذلك، يبدو أنّ هناك معركةً أكبر قد انتهت بهدوء بين أميركا والصين على الأرض العراقية؛ تحديداً في الملفّ الاقتصادي، أو إن شئنا في العصب الاقتصادي للعراق خلال السنوات المقبلة، وليس في الأنشطة الاقتصادية المعتادة. فالصين ستبقى شريكاً اقتصادياً يدير عدّة ملفات، إذ فازت شركات صينية مثل "EBS" بعقود تطوير حقول نفطية وإدارة مصافٍ، غير أنّها لم تدخل بثقلها في مشاريع السكك الحديد الخاصّة بـ"طريق التنمية"، تاركةً هذا الملعب لتحالف "تركي، قطري، إماراتي".
العصب هنا هو "طريق التنمية" بوصفه بديلاً عن إشراك العراق كاملاً في مشروع "الحزام والطريق" الصيني. ففي سبتمبر/ أيلول وأكتوبر/ تشرين الأول الماضيين، حُسمت الترتيبات لتولّي شركة Oliver Wyman الاستشارية الأميركية مهمّة وضع الاستراتيجية المالية والتسويقية للمشروع، ما يمنح مباركةً ضمنيةً لدخول الشركات الغربية في تنفيذه. وقد عُزِّز ذلك بدعم البنك الدولي لقطاع السكك الحديد في العراق بقرض بلغت قيمته 930 مليون دولار. كما أنّ نقطة الانطلاق الأساسية لـ"طريق التنمية"، وهي ميناء الفاو الكبير، وصلت إلى مرحلة التشغيل؛ إذ اكتملت خمسة أرصفة، واكتمل النفق المغمور والطريق الرابط بالميناء، وعلى الأرجح قد تنافس شركات إماراتية للحصول على عقد تشغيله. أمّّا تركيا فهي تعمل على الجزء التركي من الطريق، بينما لم تبدأ أعمال السكك الحديد داخل العراق فعلياً حتى الآن، بانتظار إكمال الإجراءات الفنّية وطرح العقود للمناقصات.
وبرأي مراقبين، التقدّم الحثيث في طريق التنمية يحسم منذ الآن أفقَ التوقّعات بشأن مستقبل المليشيات في العراق. فعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة ماضية في إنهاء الوضع القتالي لقواتها في العراق ضمن تحالف الحرب على الإرهاب، وانسحبت خلال العام المنقضي (2025) من قاعدة عين الأسد، وستنسحب العام المقبل (2026) من قاعدة حرير في أربيل، فإنّها لن تغادر العراق فعلياً، فقد وقّعت شركات نفطية أميركية كبرى، مثل إكسون موبيل، وشيفرون، و"إتش كي إن"، عقوداً مهمّةً مع العراق، إضافةً إلى عقود أخرى في مجال إنتاج الطاقة الكهربائية، وفي قطاع الطيران والتسليح. والأهم من ذلك كلّه ضمان بقاء العراق بعيداً عن السيطرة الاقتصادية الصينية، وهو ما سيترجمه مشروع طريق التنمية إذا اكتملت جميع أجزائه وباشر العمل.
تفاصيل هذه الصورة كلّها يمكن أن ترسم مشهداً متفائلاً لمستقبل العراق، لكنّها تبقى تقديرات؛ فالشيطان يكمن في التفاصيل. وهناك من ينظر إلى الأمر على أنّه حسمٌ لحالة التأرجح المزمن منذ عقدَيْن تقريباً بين محورين يتجاذبان النفوذ على أرض العراق، بصراع دموي وبنزيفٍ للمال والفرص الاقتصادية.
وقد يقول قائلٌ إنّ النتيجة ستكون هيمنةً أميركيةً على القرار العراقي. لكن هذا "القائل" ينسى (ربّما) أنّ النخب السياسية في العراق لم تفعل شيئاً لتحرير الاقتصاد الوطني من الشروط الاستثنائية التي ربطت عائدات العراق النفطية بمظلّة الحماية الأميركية، ولم تُنهِ الحكومات المتعاقبة ملفّ التعويضات المبالغ فيها، التي تطالب بها شركات وأفراد حول العالم.
لقد ارتضت النخبة السياسية أن تكون خاضعةً لأميركا من الأعلى، ولإيران من الأسفل؛ وتخيّلت أنّ هذه المزاوجة الغريبة بين نفوذَيْن خارجيَّيْن قد تمنح شكلاً من أشكال الاستقرار، وأنّها يمكن أن تستمرّ طويلاً وتكون صيغةً فعّالةً للحكم والتنمية، ولوضعٍ أمنيٍّ واجتماعيٍّ مستقرّ. غير أنّ "التفاصيل الشيطانية"، التي يمكن أن تُرى بالاقتراب من الأرض أكثر، تتعلّق ببنية الفساد الاقتصادي والإداري الهائلة التي يصعب تصديق أنّها ستتلاشى بمجرّد تشغيل "طريق التنمية". وهي بنية فسادٍ ذات رسوخٍ وقوةٍ يمكن معها إفشال أعظم المشاريع العملاقة.
يبقى التعويل على شكل الحكومة المقبلة وقدرتها على توسيع الحوكمة الإلكترونية التي ستحدّ من فساد التعاملات المالية، والأهم من ذلك الإنهاء الفعلي لوجود الجماعات المسلّحة التي تفرض نفسها على المجتمع والاقتصاد والسياسة بقوة السلاح، وتُربك أيَّ مشروع تنموي حقيقي.