مقاربة "السلام من خلال القوة"... الأسس والحدود والدلالات
ترامب يتحدث على متن حاملة الطائرات جورج واشنطن في يوكوسوكا وسط اليابان (28/10/2025/Getty)
تُعدّ مقاربة "السلام من خلال القوّة" إحدى أكثر الرؤى الاستراتيجية إثارة للجدل في العلاقات الدولية، نظراً إلى اعتمادها على فرضية محورية، مفادها أنّ تعزيز الردع العسكري والاقتصادي والسياسي يشكّل الشرط المُسبق لفرض السلام ومنع الخصوم من اختبار حدود القوّة. ورغم جذورها الكلاسيكية المُمتدّة إلى أدبيات الردع خلال الحرب الباردة، فإنّ حضورها تجدّد بشكل لافت للنظر خلال العقدين الأخيرين، ولا سيّما مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي اتخذت من هذا المفهوم إطاراً ناظماً لسياستها الخارجية. ومع أنّ "السلام من خلال القوّة" مفهوم سياسي استراتيجي، فإنّه يحمل طيّه تناقضات دلالية ومنهجية، من جهةٍ أنّه يجمع بين غاية إنسانية تتمثّل في تحقيق السلم، ووسيلة تعتمد على استعراض القوّة والتهديد باستخدامها ضدّ طرف ما.
فالمقاربة تفترض أنّ بناء القوّة الردعية وإظهار الاستعداد لاستخدامها يشكّلان شرطاً واقعياً لإقناع الخصوم بأنّ أيّ اعتداء ستكون كلفته أعلى من مكاسبه المُحتملة. ومن هذا المنطلق، يصبح السلام ليس ثمرة تعاون أو توافق بين الأطراف، بل نتيجة توازناتٍ قسريةٍ تفرضها موازين القوى. ورغم ما تُثيره هذه الفلسفة من إشكالات، فقد تزايد استحضارها في السنوات الأخيرة بفعل عودة التنافس بين القوى الكبرى، وتصاعد التوتّرات الإقليمية، وتحوّل طبيعة الحروب والتهديدات، وتراجع فاعلية الأدوات المؤسّساتية والدبلوماسية في ضبط الأزمات.
ويكتسب النظر في هذه المقاربة أهمّيته من كونها على صلة مباشرة ببنية النظام الدولي وتحوّلات البيئة الأمنية العالمية، خصوصاً مع اشتداد سباق التسلّح، وتنامي النزاعات الهجينة التي تمزج بين القوّتين الصلبة والناعمة في حربٍ واحدة. كما تطرح هذه المقاربة أسئلة عميقة تتعلّق بحدود القوّة في صناعة السياسة الخارجية، ومدى إمكانية تحقيق الاستقرار عبر مراكمة التفوّق العسكري، ومخاطر الانزلاق إلى مستوياتٍ أعلى من التوتّر الدولي، نتيجة الإفراط في التسلّح أو سوء تقدير الخصوم.
الأسس النظرية وتطوّر مفهوم القوّة
نشأت مقاربة السلام من خلال القوّة داخل الفضاء المعرفي للمدرسة الواقعية التي ترى النظام الدولي فضاءً تنافسيّاً تحكمه المصالح، وتقتضي تطوّراته امتلاك القدرة على ضبط الصراعات والتفاعل معها. وتفترض الواقعية أنّ سعي الدولة إلى تأمين بقائها يدفعها إلى بناء القوّة وتعزيز جاهزيتها الدفاعية، وأنّ أيّ تراجع في هذا الخصوص قد يشجّع الخصوم على استهدافها.
وتنبني هذه المقاربة على نظرية الردع التي تذهب إلى أنّ السلام يتحقّق حين يقتنع الخصم بأنّ الهجوم سيُفضي إلى كلفة تتجاوز المكاسب. ومن ثمّة، تصبح القوّة أداة رئيسية للحفاظ على الأمن، ويتحوّل امتلاكها وإظهارها إلى شرط لردع الخصوم. وفي هذا السياق، كانت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي المختبر الأكثر دلالة، خصوصاً في ظلّ قدرة الأسلحة النووية على إحداث دمار متبادل كفيل بردع أيّ محاولة عدوانية بين القوّتين العظميين.
لم تعد الدولة الفاعل الوحيد، ولم تعد تحتكر القوّة، الأمر الذي يفرض إعادة التفكير في معنى الردع ذاته
فقد كان التهديد باستخدام السلاح النووي كافياً لتجنّب الحرب. وبناء عليه، تحوّلت القوّة، في أقصى درجاتها، إلى أداة لإنتاج "سلام ضروري" قوامه غياب الحرب، لا قيام علاقات تعاون حقيقية. لذلك اعتبر باحثون عديدون أنّ الردع النووي منع في مناسبات عديدة انزلاق العالم نحو صراع شامل، وأنّ الخوف من العواقب كان أقوى من أيّ رغبة في الهيمنة. غير أنّ تطوّر المفهوم لم يتوقّف عند حدود القوّة الصلبة، بل اتجه ليشمل تداخلاً بين القوّة العسكرية والتحالفات والمؤسسات الدولية، فمع صعود الفكر الليبرالي المؤسّسي، أصبحت القوّة تُمارَس ضمن شبكة من التحالفات، مثل حلف شمال الأطلسي، أو عبر مؤسّسات كالأمم المتحدة، ما جعل استعمال القوّة أكثر انتظاماً ضمن قواعد الحوكمة العالمية. وقد اعتُبر هذا الدمج بين القوّة والمؤسّسات أحد أسباب نجاح بعض التحالفات في فرض الاستقرار في سياقاتٍ معيّنة، كما في عمليات حفظ السلام أو في ردع العدوان على بعض الدول خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية.
الدلالات الاستراتيجية وتطبيقات المقاربة
أعادت التحوّلات في العلاقات الدولية إحياء هذه المقاربة في العقدين الأخيرين، فمع تراجع التفوّق الأميركي النسبي، وصعود الصين، وتزايد الانخراط الروسي في مناطق مختلفة، برزت مُجدّداً الحاجة إلى بناء قوّة قادرة على إعادة رسم التوازنات. وقد ظهرت مقاربة "السلام من خلال القوّة" بشكل واضح خلال إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، التي اعتمدت سياسة "الضغط الأقصى" تجاه إيران، وأصرّت على ضرورة رفع الإنفاق العسكري ضمن حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وربطت الدبلوماسية بمنطق القوّة. وفي هذه الرؤية، لا تكون القوّة مجرّد أداة دفاعية، بل وسيلة لإعادة فرض الانضباط داخل التحالفات وإجبار الخصوم على التفاوض من موقع ضعف.
تتجلّى تطبيقات هذه المقاربة في عدّة مستويات. أوّلها، توظيف الردع الاقتصادي باعتباره جزءاً من الردع الشامل، كما حدث في العقوبات الواسعة على إيران وكوريا الشمالية وروسيا. ورغم فعالية هذه العقوبات في إلحاق خسائر اقتصادية مُعتبرة، فإنّها كثيراً ما تفشل في تغيير سلوك الأنظمة السياسية، لأنّها لا تمسّ دائماً جوهر قدراتها الاستراتيجية أو مصادر شرعيتها الداخلية. وهنا تظهر محدودية القوّة الاقتصادية أداة أحادية لتحقيق السلام.
يتجلى المستوى الثاني في إعادة توزيع الأعباء الأمنية على الحلفاء، وهي نقطة أساسية في فكر المحافظين الجدد وعديدين من صنّاع السياسة الأميركيين، فمقاربة "السلام من خلال القوة" ترى أنّ أيّ تحالفٍ لا يمكن أن يستمرّ ما لم يساهم كلّ طرف فيه بنسبة عادلة من القدرات الدفاعية. وقد أدّت هذه الرؤية إلى زيادة واضحة في الإنفاق العسكري لبعض دول أوروبا الغربية، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، فقد أصدرت الحكومة الألمانية مثلا ما سُمّيت "استراتيجية للأمن القومي" في 14 يونيو/ حزيران 2023 وأعلنت عن زيادة تاريخية في قدراتها المتعلقة بسياستها الدفاعية.
الدول والجماعات المسلّحة قد تتصرّف بدوافع أيديولوجية أو داخلية، أو وفق تقديراتها الخاصّة للتهديد
ويتمثّل المستوى الثالث في استخدام القوّة العسكرية المحدودة لرسم الخطوط الحمراء، وهي استراتيجية دقيقة تعتمد على ضربات محسوبة تضع حدوداً للسلوك العدائي. وشكّلت الضربة الأميركية ضدّ سورية عام 2017 عقب الهجوم الكيميائي في خان شيخون، مثالاً في هذا المضمار. فقد كانت رسالة أكّدت من خلالها واشنطن أنّ استخدام الأسلحة الكيميائية خطّ أحمر، وأنّها مُستعدة لاتخاذ إجراءات عقابية ضدّ الجيش الذي يتبع لبشّار الأسد من دون الانخراط في صراع شامل. يعتمد هذا النوع من الضربات على توازن دقيق بين استخدام القوّة وعدم المبالغة فيها، وبين تأكيد الجدية وإدارة مخاطر التصعيد.
لهذه المقاربة آثارٌ جانبية قد تكون خطيرة، إذ يمكن لاستعراض القوّة أن يدفع الخصوم إلى مزيدٍ من التسلّح، كما هو الحال في شرق آسيا، حيث أدّى صعود الصين البحري، وردّ واشنطن عليه إلى إطلاق واحدٍ من أكثر سباقات التسلّح تعقيداً، فالتعزيزات العسكرية المُتبادلة في بحر الصين الجنوبي لم تُخفّض التوتّر، بل زادته، ورفعت احتمال نشوب احتكاكات غير مقصودة قد تتطوّر إلى صراع أكبر. وهنا يتبدى الجانب الإشكالي في "السلام من خلال القوة"، فزيادة القوّة الرادعة قد تُحدث في بعض الحالات عدم استقرار أكبر.
حدود المقاربة وتحدّياتها البنيوية
رغم وجاهة المقاربة في بعض السياقات، فإنّها تعاني من عدّة حدود نظرية وعملياتية. أوّل هذه الحدود يرتبط بفرضية عقلانية الفاعلين. فالنظريات الردعية تفترض أنّ الخصوم يتصرّفون وفق حسابات دقيقة للكلفة والمنفعة، وأنّ الخوف من العواقب يردعهم. غير أنّ تجارب عديدة أثبتت أنّ الدول والجماعات المسلّحة قد تتصرّف بدوافع أيديولوجية أو داخلية، أو وفق تقديراتها الخاصّة للتهديد. وقد يؤدي سوء تقدير بسيط إلى تصعيد غير مقصود، كما حدث في الحرب العالمية الأولى حين قادت حسابات خاطئة إلى اندلاع صراعٍ لم يكن أحد الأطراف يرغب فيه.
ويتعلّق الحدّ الثاني بتغير طبيعة التهديدات. فالحرب السيبرانية، والاختراقات الرقمية، وهجمات الذكاء الاصطناعي، وتضليل المعلومات، أصبحت اليوم أدوات قادرة على زعزعة الاستقرار من دون إطلاق رصاصةٍ واحدة. وهذه التهديدات لا يمكن ردعها بسهولة باستخدام القوّة العسكرية التقليدية. كيف يمكن ردع مجموعة قراصنة افتراضية لا تمتلك إقليماً ولا بنى تحتية واضحة؟ وكيف تُستخدم حاملات الطائرات لوقف اختراق إلكتروني يستهدف بيانات بنكية أو مؤسسية أو شبكة كهرباء أو نظام اتصالات؟ هنا تتكشّف محدودية المقاربة أمام تهديدات لا تنتمي لمنطق الجغرافيا أو القوّة العسكرية المباشرة.
تعمل التحوّلات الدولية المُتسارعة على إعادة تشكيل معنى القوّة وجدوى استخدامها
ويكمن الحدّ الثالث في افتقار المقاربة إلى القدرة على بناء ما يُعرف بـ"السلام المستدام". فحتى لو نجحت القوّة في فرض وقف إطلاق النار أو ردع عدوان، تبقى جذور الصراع قائمة ما لم تُعالج أسبابها العميقة المرتبطة بالعدالة والتنمية والهُويّة والحكم الرشيد والاستقلال، وحقّ تقرير المصير. وقد أثبتت التجربة في العراق بعد 2003، وفي أفغانستان بعد 2001، وفي غزّة بعد الحروب الإسرائيلية المُتتالية عليها، أنّ التفوّق العسكري لا يكفي لفرض نظام سياسي مستقر، وأنّ نجاح أيّ عملية بناء دولة يتطلّب إدارة اجتماعية وسياسية مُعقّدة لا يمكن للقوّة العسكرية وحدها توفيرها.
يتمثّل الحدّ الرابع في هشاشة عنصر المصداقية، فالردع لا ينجح إلا إذا اقتنع الخصم بأنّ الدولة مُستعدّة لتنفيذ تهديداتها. غير أنّ تغيّر السياسات من إدارة إلى أخرى، كما حدث في الموقف من الاتفاق النووي الإيراني، يضعف ثقة الحلفاء والخصوم على السواء، ويجعل الالتزامات الدولية تبدو قابلة للتراجع، وهو ما يعني تآكل عنصر الثبات الذي تحتاجه هذه المقاربة.
التحوّلات الدولية وإعادة تعريف القوة
تعمل التحوّلات الدولية المُتسارعة على إعادة تشكيل معنى القوّة وجدوى استخدامها، فالصعود الصيني في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والدفاع، والتوتّرات الجيوسياسية في المُحيطين الهندي والهادئ، وتزايد الحضور الروسي، كلّها عوامل تجعل النظام الدولي أكثر تعقيداً. كما أنّ صعود سرْدية "لنجعل أميركا عظيمة (مجدَّداً)" ومتعلّقاتها في الولايات المتّحدة، يدعم حقيقة تزايد المنافسة بين القوى الكبرى، ويزيد من أهمّية القوّة العسكرية بما هي وسيلة لإعادة ضبط التوازنات.
يظلّ "السلام من خلال القوّة" إحدى الأدوات المهمّة في صندوق السياسة الدولية، لكنّه لا يمكن أن يكون الإطار الوحيد لتحقيق السلم أو بنائه
إلى جانب ذلك، دخلت التكنولوجيا العسكرية المُتقدّمة مرحلة جديدة بفضل الذكاء الاصطناعي والطائرات المُسيّرة والأنظمة ذاتية التشغيل، ما يجعل قرار استخدام القوّة أسرع وأكثر خطورة. فالأخطاء الحسابية في الأنظمة المؤتمتة قد تعجل باندلاع صراعاتٍ لا يرغب فيها أحد. وتطرح هذه التطوّرات أسئلةً حول قدرة الردع التقليدي على مواكبة التهديدات الجديدة، وحول مسؤولية الدول في ضبط هذه التقنيات ضمن قواعد واضحة. كما أنّ تعدّد الفاعلين من غير الدول، جماعات مسلّحة أو شبكات قرصنة أو شركات تكنولوجية عملاقة، يجعل مفهوم القوّة أكثر تعقيداً. فالدولة لم تعد الفاعل الوحيد، ولم تعد تحتكر القوّة، الأمر الذي يفرض إعادة التفكير في معنى الردع ذاته. فهل يمكن ردع شركة تكنولوجية تملك قدرات معلوماتية تفوق قدرات بعض الدول؟ وهل يمكن ردع جماعة مسلّحة لا تخضع لمنطق الإقليم والسيادة؟ هذه الأسئلة تكشف حدود المقاربة القائمة على القوّة العسكرية وحدها.
خاتمة
تَبيّن من خلال قراءة مقاربة "السلام من خلال القوّة" أنّها ليست حلاً نهائياً، مثالياً، مطلقاً لتلافي الحرب وإقرار السلام. فهي قادرة في بعض السياقات على منع اندلاع الحروب، وفرض توازنات ضرورية للحفاظ على الاستقرار، لكنّها قد تتحوّل في سياقات أخرى إلى عامل تصعيد أو سباق تسلّح. وهي توفّر للدول أداة مهمّة لإدارة التوتّرات، لكنها عاجزة وحدها عن بناء سلام مُستدام، ومعالجة جذور الصراع في منطقة أو بلد ما. ومن ثمّة، يبدو أنّ الخيار الأمثل يكمن في دمج القوّة ضمن رؤية استراتيجية أشمل تقوم على مزاوجة القوّة الصلبة بالقوّة الناعمة، والردع بالدبلوماسية، والأمن العسكري بالأمن الإنساني. فالسلم الحقيقي لا يُصنع عبر إشاعة الخوف، ولا يمكن للقوّة أن تكون العامل الحاسم في كلّ الحالات. فبناء السلام المُستدام يتطلّب توازناً دقيقاً بين أدوات الردع وأدوات التنمية، بين الصلابة والمرونة، وبين إدارة المخاطر وبناء الثقة عبْر تأمين حقوق الإنسان.
وبناء عليه، يظلّ "السلام من خلال القوّة" إحدى الأدوات المهمّة في صندوق السياسة الدولية، لكنّه لا يمكن أن يكون الإطار الوحيد لتحقيق السلم أو بنائه، خاصة في عالم يتسم بتعدّد الفاعلين وتعقّد التهديدات وتسارع التحوّلات. إنّه مقاربة يمكن أن تساهم في ضبط السلوك الدولي، لكنّها تحتاج إلى تكامل مع مقاربات أخرى تركّز على ضمان الكرامة والحرية، والعدالة والتنمية والحوكمة، والتعاون الدولي البنّاء، وتمكين الشعوب من تقرير مصيرها بعيداً عن سطوة الاستبداد أو الاحتلال أو الهيْمنة، على نحو يُصبح معه السلم ليس مجرّد غياب للحرب، بل حالة استقرار عادلة ودائمة.