منهج الحكم السوري

14 نوفمبر 2025
+ الخط -

حين بدأت الثورة السورية في عام 2011 وانخرط فيها وأيدها كُثُرٌ من المثقّفين والكتّاب من مختلف الانتماءات الطائفية والمذهبية والعرقية (وقف ضدها أيضاً كُثُرٌ من المثقّفين والكتّاب من مختلف الانتماءات). ما فعله نظام الأسد تأسيس قوة رديفة له تعمل في تشويه صورة كل من وقف مع الثورة وأيدها. هكذا أصبح مؤيدو الثورة من الأكثرية إرهابيين أو مموّلين للإرهاب، وأصبح مؤيّدوها من غير الأكثرية خونةً وعملاءَ ويبيعون مواقفهم بالدولار (لماذا ليس باليورو؟). طبعاً مع صفات أخرى تمسّ السمعة الأخلاقية والتاريخ الشخصي، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بالمثقّفات والكاتبات والنسويات والمناضلات السياسيات.

لم يختلف الأمر كثيراً بعد وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سورية، إذ أسّست لها ماكينة إعلامية بدأت مباشرة بمحاولة إسكات كل من يملك صوتاً مختلفاً عن نهجها. كان طبيعياً أن يخشى كُثُرٌ من القادم الجديد ذي التاريخ التكفيري الجهادي، الذي لم يخفه زعيم الهيئة أحمد الشرع يوماً، ولم يعتذر عنه، ولم تثبت قوّاته ما يدلّ على تغيير في نهجها، فمنذ تسلّمهم السلطة والقتل الطائفي أصبح بديلاً من العدالة الانتقالية التي طالب بها السوريون، منذ البداية، بعدّها المسار الوحيد الذي يضمن حقّ الضحايا وعقاب المجرمين. لكنّ المبرّرات الركيكة التي قدمتها السلطة لتحييد هذا المسار زادت من خوف الخائفين، خصوصاً مع ارتكاب مجزرتَيْن كبيرتَيْن تذكّران بمجازر الأسد (الأب والابن)، خلّفتا معارضين شَرِسين للحكم الذي لم يستطع خلال عام تقريباً من وجوده في الحكم نقل البلد، ولو خطوةً، نحو التغيير المرجو.

ومن المذهل أن مؤيّدي النظام الجديد، مِمَّن كانوا ضحايا آليات النظام السابق في تشويه معارضيه، يعيدون إنتاج الآليات ذاتها في تشويه معارضي السلطة الجديدة. لكنْ هذه المرّة يختارون من كانوا رفاقاً لهم في الثورة، ويطلقون عليهم صفات: "فلول"، و"حلف أقليات ضدّ الأكثرية"، و"خونة"، و"انفصاليون"، و"عملاء"، و"سُنّة كيوت"، مع تشويه سمعة النساء من المعارضات، واستخدام أساليب سفيهة للإساءة إليهن، في محاولة لتفكيك كل الأصوات المعارضة وتشويه صورتها. وطبعاً، تجريدها من صفة الوطنية. وكأن تشويه سمعة المعارض وتاريخه هو منهج حكم سوري لا حالة طارئة مرهونة بظرفها. وكأن الخلاف في الرأي السياسي جريمة أخلاقية، والمعارضة خيانة وطنية. لكنْ كما كان الخوف من الاختلاف والمعارضة هو دليل على خللٍ في بنية السلطة زمن الأسد، هو الآن دليل مضاف على مجموعة أدلّةٍ تؤشّر بوضوح إلى أن هذه السلطة عاجزةٌ عن تقديم نموذج يتفوّق على نظام الأسد في الملفّ الداخلي، الذي وحده يعطي الشرعية لأيّ سلطة، ذلك أن شرعيتها المقترحة تأتي من الفراغ الذي خلّفه انهيار نظام الأسد، ومن المظلومية المُحقَّة لضحاياه. لكنّ هذه المظلومية سوف تصطدم بعد حين بأسئلة يومية معيشية وخدمية تبدو السلطة بعيدةً عن أجوبتها. لهذا نراها تسعى لإسكات الأصوات التي تقترح بدائل، أو تذكّر بأن ثمّة بدائل سورية وطنية متاحة.

يستسهل كُثُرٌ اليوم الكلام عن انتفاء وجود معارضة وطنية ديمقراطية قادرة على النجاة بسورية ممّا هي فيه، هذا كلام يراد ترسيخه لوأد أيّ محاولات تطرح بدائل. والحقيقة أن سورية تمتلئ بالبدائل الوطنية المدنية الديمقراطية من الأكثرية العددية (كي لا يقال إن هناك محاولة لإعادة حكم الأقليات). ومن العار الحديث عن خلوّها من الكوادر المُؤهَّلة لتسلّم سلطة وحكم. وفي الأساس، لا أحد حالياً يطرح فكرة البديل. طروحات المعارضين اليوم هي باتجاه التشاركية وبناء دولة قانون تكون فوق الجميع، وبناء دولة عدالة يشعر الجميع معها أنهم مواطنون. طروحات المعارضين اليوم، في معظمهم، هي باتجاه بناء دولة المواطنة التي لم يتحدّث عنها مسؤول واحد في هذه السلطة، وكأن فكرة المواطنة تزعج السلطة ومؤيّديها، مع أنها كانت أول مطالب ثورة 2011 التي يتبجّح بها اليوم كثيرون من مؤيّدي السلطة، ويحاولون التطهّر عبر ادّعاء انتمائهم إليها.

لا بأس! كانت الثورة للجميع ومن أجل الجميع، من أجل حياة كريمة للجميع وعدالة للجميع، فهل بمحاولاتكم محو الأصوات المعارضة للسلطة من الذاكرة الجمعية للسوريين، عبر تشويه سمعتهم، تطبّقون مبادئ تلك الثورة الكاشفة فعلاً؟

BF005AFF-4225-4575-9176-194535668DAC
رشا عمران

شاعرة وكاتبة سورية، أصدرت 5 مجموعات شعرية ومجموعة مترجمة إلى اللغة السويدية، وأصدرت أنطولوجيا الشعر السوري من 1980 إلى عام 2008. تكتب مقالات رأي في الصحافة العربية.