من ترومان إلى بوش وترامب... خلاصيّون يخاطبون الله
ترامب يتحدث إلى سامعيه من شرفة في البيت الأبيض في واشنطن (4/6/2025 Getty)
هَوَسيّون قتلة، يوهِمون ويتوهّمون بأنّهم يخوضون حروباً بتكليف إلهي، ويزعمون، باضطراب نفسي، أنّ الله يخاطبهم مباشرةً، وأنّهم بدورهم يخاطبون الله، كأنّهم في دردشة هاتفية مع صديق قريب وحميم لا كلفة بينهم وبينه، بل علاقة تواصل قديمة. قيل ماضياً: "حكّامنا هؤلاء المرضى"، ولا شيء أخطر للبشرية من أن يحدّد مرضى مجانين مصيرها، خاصّة مجانين أميركا، الدولة الأكثر قدرة على الإيذاء بسبب حجمها وإمكاناتها العسكرية والتقنية والمالية، وأيضاً بسبب مروقها وتمرّدها على كلّ المواثيق والقوانين الدولية، دولةً "استثنائيةً"، لا تخضع لما يخضع له الآخرون. وبِلّة فوق طين المروق، رؤساءُ أميركيون يتلطّون بالتوجيه والأمر الإلهيَّين لخوض حروبهم المجرمة، التي تبلغ حدّ إلقاء قنبلتَين نوويَّتَين (مع ترومان) أو تدمير بلد بأكمله (بوش في العراق) أو التهديد بتدمير مفاعل نووي قد ينتشر شعاعه في منطقة واسعة من العالم (ترامب في إيران). فما قصّة الهوسيّين الهواميّين مخاطبي الله؟
كان الرئيس الأميركي هاري ترومان، بطل "مأثرتَي" هيروشيما وناغازاكي، يظنّ أن الله يهديه إلى كلّ قرار (الله يلقي القنابل النووية بهذا المنطق!). والأخطر أنّ إيماناً راسخاً كان لديه بأن الله قد رسم لأميركا دوراً خاصّاً، وقال في خطاب في كنيسة نيويورك أفينيو المشيخية في واشنطن (3 إبريل/ نيسان 1951): "لعبت العناية الإلهية دوراً كبيراً في تاريخنا. أشعر بأن الله خلقنا وقادنا إلى ما نحن عليه من قوة ومكانة لتحقيق غاية نبيلة". وكان الاعتبار الديني وراء قرار ترومان الاعتراف بـ"دولة إسرائيل"، في 14 مايو/ أيار 1948، مجازفاً بتقويض علاقات الولايات المتحدة مع الدول العربية. دعا مراراً وتكراراً إلى "الصحوة الأخلاقية والروحية لأميركا" (المفارقة أن أميركا السياسية بلا أخلاق وبلا روح)، داعياً الكنيسة البروتستانية والكنيسة الكاثوليكية والكنيس اليهودي، "مجتمعين في وحدة أخوية أميركية"، إلى بذل الجهود الحثيثة لتحقيق تلك الصحوة الأخلاقية والروحية، فلا أحد سواهم قادر على ذلك، مضيفاً: "إن لم يتم ذلك فنحن متّجهون إلى كارثة مستحقّة. يا ليت إشعيا أو القديس بولس يدعوان هذا العالم المريض إلى مسؤولياته". وكان بين مساعدي ترومان بروتستانت وكاثوليك ويهود، وكان اثنان من أقرب مستشاريه من الميثوديّين. وبتكليف إلهيّ لأميركا، أراد ترومان حشد معظم القوى الدينية في العالم ضدّ "الشيوعية الملحدة"، فهو حامي الإيمان وحامي الحمى.
يتميّز ترامب بقدرته على إقناع الناس بأنه الأفضل، والأقوى، والأذكى، والأصلب، وما إلى ذلك من الأشكال النرسيسيّة المرضيّة
أمّا جورج دبليو بوش، فقصّته مع التكليف الإلهي ومخاطبة الله أخطر بكثير، بل هي مدعاة سخرية. يكفي أن نسمعه قائلاً عشية عدوانه المجرم والرهيب على العراق، ردّاً على حدث 11 سبتمبر (2001): "جاءني الله وقال لي: اذهب يا جورج "، كي لا يدع الله، عزّ وجلّ، مجالاً لجورج بوش للشكّ في أن الله يخاطب أحداً سواه: "اذهب يا جورج". في هذا الاستيهام السايكوباتي الجنوني ما يؤكّد تأثير إدمان الرجل سنوات طويلة الكحول، ما أحدث لديه تهويمات نتيجة تلف دماغي. فهل من عاقل، أو حتى غير عاقل، يمكنه أن يصدّق رؤيا مماثلة؟ وأن الله يأمر بالقتل والإبادة وتدمير بلد بأكمله وإفناء شعب؟
بعد تحوّله إلى الكنيسة الميثودية (طائفة بروتستانتية ظهرت في إنكلترا في القرن الثامن عشر على يد جون ويزلي، وتعتمد نظاماً تقوياً ينهض على التأمل، وتعتبر التوراة اليهودية جزءاً أساسياً من الكتاب المقدّس، مثل باقي الطوائف المسيحية)، قرّر بوش التوقّف عن إدمان الكحول، لتبدأ مرحلته الهلوسية الإيمانية التي افتتحها بكلامه للقس جيمس روبيسون، قائلاً له: "أعتقد أن الله يريدني أن أترشّح للرئاسة. لا أستطيع تفسير ذلك. لكني أشعر بأن بلدي في حاجة إليّ. أعلم أنّ الأمر لن يكون سهلاً لي ولعائلتي، لكنّ الله يريدني أن أفعل ذلك". لدى الله، تبعاً لتهويمات بوش نتيجة إدمانه الطويل، مرشّحون مفضلون. هو ناخب بالنسبة إلى جورج دبليو، يدلي برأيه وصوته، وبعد انتخابه كان بوش يستهلّ اجتماعات مجلس الوزراء بصلاة، في بلد يفترض أنّه ديمقراطي علمانيّ وغير أوثوقراطي، ولا يملك دين دولة. لم يتأثر بوش بالسخرية والاستهزاء اللذيْن أثارهما ادعاؤه التقوى، فطالب أعضاء إدارته بأقصى معايير النزاهة، لكنّها لم تبقَ في منأىً عن الفضائح. وبعد هجوم 11 سبتمبر لم يتردّد بوش جونيور في الحديث عن "معركة الخير ضدّ الشر"، خائضاً ما سمّاه بـ"حملة صليبية" جديدة، رغم معارضة الكنائس حربه الاستباقية ضدّ العراق، بما في ذلك الكنيسة الميثودية التي ينتمي إليها. أمّا خلفيته التوراتية فيفضحها خطابه أمام اللجنة الوطنية اليهودية في واشنطن، في 3 مايو/ أيار 2001، إذ قال: "أنا مسيحي، لكنني أؤمن، كما يؤمن صاحب المزمور، بأن إله إسرائيل لا ينام ولا ينعس. إنّ فهم سياسات إدارتي ليس أمراً صعباً. سندافع عن مبادئنا، وعن أصدقائنا حول العالم، ومن أهم أصدقائنا إسرائيل".
ونصل إلى الرئيس دونالد ترامب، غير المختلف ألبتّة عن أسلافه، ففي خطاب النصر الذي ألقاه في مار إيه لاغو، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وبعد حادث إطلاق النار عليه وإصابته في أذنه، قال: "لقد أنقذني الله لجعل أميركا عظيمة مجدّداً". إنه التكليف الإلهي نفسه دائماً، حتى إن كُثراً من أتباعه ومؤيّديه يقولون إنه "مختار" أو "ممسوح" أو "مخلّص" أو "مسيح هذا العصر". شعور ترامب بالعظمة الشخصية يجعله مؤمناً بأنّه "قوةٌ لا تقهر". ألم يقل منذ فترة: "أنا أدير البلاد والعالم"؟ يجدر بنا طرح السؤال: هل يعتقد ترامب أنه إله؟ لو كان هذا اعتقاده فإنه يكون قد فاق ترومان وبوش والجميع بفداحة جنونه. أم عساه يظنّ في الأقلّ أنّه شبيه الله، مثل هتلر وستالين ونتنياهو وسائر طغاة التاريخ؟... يتميّز ترامب بقدرته على إقناع الناس بأنه الأفضل، والأقوى، والأذكى، والأصلب، وما إلى ذلك من الأشكال النرسيسيّة المرضيّة. يعيش في قوقعته الخيالية الذاتية، مزهوّاً بافكاره وصورته هو عن نفسه، وإن لم تكن هي أفكار وصورة الناس عنه. يقول ستيفن مانسفيلد، مؤلف كتاب "اختيار دونالد ترامب... الله، الغضب، الأمل، ولماذا دعمه المسيحيون المحافظون" (2018): "أعتقد أن ترامب يؤمن بأنّه اختير ليحقّق إنجازات عظيمة بوصفه رئيساً. إنّه يؤمن بأنه أداة في يد الله".
يؤمن ترامب بأشياء ترضي نهمه وغروره وجهله، ويميل إلى الإيمان بالقدرية ويعتبر أن القدر أنقذه مراراً
وبعضهم يقول إن ترامب لا يؤمن بشيء. هذا غير صحيح. إنّه يؤمن مثلاً بالرسوم الجمركية، وبالتفكير الإيجابي، وبالدعاية السلبية عن الآخرين. بلى، هو يؤمن بأشياء كثيرة ترضي نهمه وغروره وجهله، ويميل إلى الإيمان بالقدرية ويعتبر أن القدر أنقذه مراراً. يقول زير النساء البليد، والمتزوج ثلاث مرّات، إنه "غير متأكّد" من أنه طلب المغفرة من الله على الإطلاق، ويحسب نفسه بطلاً توراتيّاً موكلاً بمهمة معقّدة، شخصيةً غير كاملة اخْتِيرتْ للقيام بعمل الله الكامل. لا يبالغ في تقدير نفسه حين يقول إن "الله يجلس هناك ويقول لي: لقد اخترتك".
في حديقة البيت الأبيض، وفي مناقشة حول حرب تجارية وشيكة مع الصين، رفع ترامب يديه إلى الأعلى ونظر إلى السماء قائلاً: "أنا المختار". لم يدَّعِ أيُّ رئيس أميركي سابق بأن الله قد نجّاه لتنفيذ أجندته السياسية. يستحيل خوض الجدال ضدّ ترامب حين يدعي قوة الله، ويلفّ نفسه برداء إلهي، ويقدّم نفسه شخصيةً إلهيةً مسيانيّةً (خلاصيةً)، قادرةً بشكل فريد على إلحاق الهزيمة بقوى الشرّ في العالم. ترامب قائد مسيانيّ خلاصيّ مقدّس، لذا يشير إليه الجهلة الكُثر من أتباعه بأنه "المخلّص"، المنقذ الجديد للعالم بتكليف إلهي.