نحو سجن النساء

15 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 03:07 (توقيت القدس)

(صفوان داحول)

+ الخط -

رغم خبرتها الطويلة في أروقة المحاكم، غير أن المحامية مرهفة الحسّ لم تتمكّن يوماً من التعامل بحياد وموضوعية تفرضهما قواعد المهنية، ظلت تحدّق بالمتهمة من دون توقّف، وقد تملكتها مشاعر رهبةٍ وارتباكٍ وغضبٍ كبير، اتكأت السجينة ذات الثوب الأزرق (الفوتيك) بيديها الاثنتين على قضبان قفص الاتهام في قاعة محكمة الجنايات الكبرى، محاطة بمجموعة المحكومات في قضايا تنوّعت بين السرقة والتسوّل والدعارة والاحتيال. لم تبدُ لها مريضة تعاني من اضطراب نفسي شديد، أو تخلف عقلي خطير، بل عبرت ملامحها الهادئة عن شخصيةٍ عاديةٍ بلا ملامح فارقة لفتاة فقيرة في الثامنة والعشرين، لم تنل حظا من التعليم، لا يمكن لأحدٍ أن يتصوّر أنها أقدمت قبل أشهر فقط على خنق طفلتها الصغيرة. جاء في اعترافاتها أنها وضعت الوسادة فوق رأس الرضيعة ذات التسعة أشهر، وظلّت تضغط حتى لفظت الطفلة أنفاسها، ثم أخذت تتأمل في الجسد المسجّى للصغيرة التي غادرت الدنيا، ولم تُدرك منها في أيامها القليلة سوى الظلم والقسوة والغدر على يد أمها التي لم تُبد في أي مرحلة أي مشاعر هلع أو ندم، وقد لجأ محاميها إلى حجّة المرض النفسي، واكتئاب ما بعد الولادة كي تحصل موكلته على عقوبةٍ مخفّفة.

غادرت قاعة المحكمة، قبل أن ينطق القاضي بالحكم، لأنها لم تتمكّن من ضبط انفعالاتها، وهي ترقُب الابتسامة الغامضة التي ارتسمت على وجه المتّهمة.

في قاعة المحامين، أخبرها المحامي الذي عيّنته المحكمة للترافع عنها مجاناً بحسب القانون، أن البنت نشأت في بيئةٍ شديدة القسوة، جهل وفقر مدقع وحرمان وعنف أسري وأم مستلبة، وأب سكّير كان يجبرها وإخوتها الصغار على التسوّل والسرقة والدعارة. لم تذق يوماً طعم الحنان، ولم تعرف معنى الاستقرار الأسري، وظلت، طوال سنوات طفولتها ومراهقتها، ضيفة دائمة التردّد على مراكز الإصلاح، حين يتم حبسها عدة أشهر، وتعود بعد الإفراج عنها إلى مزاولة الأعمال المنحرفة التي لم تتعلم غيرها. ظنّت أن الزواج سيوفّر لها مهرباً من حياة البؤس والذلّ والقهر، لتكتشف أن الزوج نسخةٌ أكثر قبحاً من أبيها، إذ اختفى حين وضعت طفلتها، ولم تعرف له طريقاً، متخلّياً بكل نذالةٍ عن ابنته تاركاً إياها وأمّها بلا مأوى، ما جعلها تعود مكرهةً إلى بيت العائلة المفكّكة، عملت خادمةً في أحد البيوت، غير أنها لم تنجَح، لأنها لا تُحسن مهارات التنظيف، سرقت مصاغ سيدة المنزل، ولاذت بالفرار، وتم القبض عليها، غير أن السيدة تنازلت عن الشكوى.

رأفة بالصغيرة، وبعد توسّلات واستعطاف، وتعهد بعدم تكرار فعلتها، جرى إطلاق سراحها، تسلمت ورقة طلاقها بعد أن هرب زوجها خارج البلاد، فلم تتمكّن من ملاحقته قانونيا من أجل تنفيذ حكم النفقة بحقّه. في تلك الأثناء، تعرّفت إلى شاب محتال أوهمها بالحب، وبأنه يرغب بالزواج منها لولا وجود طفلتها، لأنه غير مستعدٍّ لأن يربّي طفلة غيره، فوقعت في غرامه، وانساقت إلى عالمه المشبوه، حيث تعاطي الممنوعات والاتجار بها. انغمست في تلك القذارة، وهي تحلم بالزواج من حبيب القلب الذي أصرّ عليها بضرورة التخلص من الطفلة، مقترحا رميها أمام أحد المساجد، غير أنها ذهبت بعيداً في الإجرام، وأقدمت على فعلتها الشنيعة التي أوصلتها إلى السجن المؤبد، بعد رفض والد الطفلة التنازل عن الادّعاء بالحقّ الشخصي.

صمت الزميلان، وهما يرقبانها تسير باستسلام من دون أن تغادر وجهها الابتسامة الغامضة ذاتها، وسط حراسة أمنية مشدّدة ضمن موكب المحكومات مقيدات الأيدي، وتغادر قاعة المحكمة، وتستقل المركبة الحكومية المتجهة نحو سجن النساء.

AD06A645-8A0A-4B42-9292-5FC44B5D51C6
بسمة النسور

كاتبة أردنية، تحمل الليسانس في الحقوق، صدر لها ست مجموعات قصصية، وكتبت نصين مسرحيين. تكتب في الصحافة العربية منذ 1990، وتشغل موقع رئيسة تحرير مجلة "تايكي" المتخصصة بالإبداع النسوي.