هاتوا حرّيتي أو أطلقوا يدي

18 يوليو 2025
+ الخط -

الحرية حرّيات، لا حُرّية واحدة. ولقياس الحرية، علينا كيل موازين الحرّيات كلّها. ولقياس الحرّية في عمومها، هناك مفردة واحدة فقط قد تتسع إلى حدّ ما لقياسها عموماً، وهي الكرامة، فشعور الإنسان بكرامته محفوظة يعني أنّه حرّ؛ هل يتحدّث بما يفكّر ويؤمن؟ هل يشعر بالأمان حيثما ذهب؟ هل يملك قراره؟ هذا كلّه يعني أن له حرّية التعبير عن رأيه حول كلّ شيء. الحقّ في التنقل ليلاً ونهاراً بلا خطر ولا تهديد. الحقّ في اتخاذ قراره بناء على تقديره للأمور، لا على المسموح به. الحقّ في التصرّف في أملاكه، والمهنة التي يختارها. لكن هل نطلب الحرية أو نأخذها؟

في الجامعة، كان أستاذ الحريات الأساسية، يعطينا نموذج أغنية أمّ كلثوم "أعطني حرّيتي أطلق يدي" للمطالبة بالحرّية. وفي أول ندوة مشتركة بعد التخرّج، بدأتُ مداخلتي بمعارضة عبارته تلك، أن الحرّيات تُؤخذ ولا تُطلب. فبمنطقه هو كان يتحدّث عن الحرية عطيّة من السلطة إلى الشعب، وكنتُ أتحدث عن الحرّية حقّاً يُؤخذ من السلطة لا يُطلب منها، فكيف تُعطى الحرّيات لمن لا يسعى إليها؟

في السعي إلى الحصول على الحقوق الأساسية طرائق كثيرة، ولا يعني الأخذ بالضرورة استعمال العنف، بل يتحقّق بالشكل الذي يأخذ به المرء حقّه في أي قضية أو مسألة، بالقضاء، بالانتخابات، أو بأي من المظاهر القانونية الأخرى. ولن ندخل هنا في حالة عدم تحقّق المراد، لأن السعي حينها سيدخل منطقة شائكة.

وإذا كنا نظنّ أن نسب الحرّيات تراجعت في منطقتنا كلّياً، علينا أن نُدرك أن مستوى الحرية تراجع في العالم كلّه، كما تقول الإحصاءات. فيما كنا نتوقّع مع الانفتاح والتحرر وارتفاع مستويات التعليم والوعي، أن يتسع المجال حتى يضيق من شدّة اتساعه، لأنه سيمتدّ ليمسّ حريات الآخرين. لكن يبدو الإنسان وكأنّه يرفض التخلّي عن رذائله، حتى لو اختلفت الظروف.

وحسب تقرير لمنظمة فريدوم هاوس، تقف ستّ دول عربية فقط في منطقة "جزئية الحرّية"، وهي تونس وجزر القمر ولبنان والمغرب والأردن. فيما تقع بقية الدول في منطقة "انعدام الحرّية". ويعني هذا التصنيف أن معظم الدول العربية منعدمة الحرية، وحتى ما نراه شبه حرية، هو لا شيء مع ما يفترض أن يكون. وللحقّ فمعاييرنا منخفضة جدّاً. إذ يبدأ أحدنا حياته في أسرة أبوية الطابع، وعائلة ممتدّة مفتوحة الأعين والألسن على بعضها، ومجتمعات ضيّقة الأفق، وفي دول ذات أنظمة سلطوية. إذاً "جيد أننا أحياء"، كما يقول المصريون.

الكويت وتونس من بين الدول التي شهدت أكبر انخفاض في الحرّيات خلال العام الماضي، كما أشار التقرير إلى أن اعتقال الجزائر خصوم النظام، أو استبعادهم، عمّق وضعها في لائحة الدول "عديمة الحرية". تراجع تصنيف السودان والكويت من "حرّة جزئياً" إلى "غير حرّة". السودان بسبب الحرب الأهلية، أمّا الكويت فسبب التراجع هو حلّ البرلمان الذي سيطرت عليه المعارضة. أمّا الأردن، فقد تحسّن تصنيفه من "غير حرّ" إلى "حرّ جزئياً".

هل إلى هذه الدرجة تشكّل الحرية خطراً؟ وما خطرُ شخص حرّ مقابل الخطر الذي قد يشكّله شخص غير حر؟ أستاذ الحرّيات الأساسية أصر على أخذ الكلمة بعدي، وقضى ساعتَين وهو يشير إلى أنه قضى عشرين سنة في التدريس، ويعرف ما يقول. لم يناقش الفكرة، بل أراد استرداد ما رآه انتقاصاً منه، وهو حرّيته في التنظير للحرّية. النقاش كان سيدخل في فكرة كانت تعارض منهجه الدراسي كلّه، والقائم على تناول الحرّيات شيئاً عاماً، لا معطى واقعياً في مكان محدّد، وزمان محدّد. قد يكون له عذره، فلا يميل كلّ الأساتذة إلى التخلّص من الإملاءات السلطوية، أو يملكون شجاعة توجيه الأصبع إلى الباب الذي تأتي منه "الريح". لكن الحرّية تقوم أولاً على الإيمان بها قيمة مستحقّة للإنسان، وبالتالي التوسّل، وطلب منحها، يعنيان تقبل الإنسان فكرة المساومة حولها، فالعطية لا شروط لها، إذ يمكن أن تعطني درهماً من الحرية أو قنطاراً منها، كلّ وكرمه. أمّا الحقّ فكامل لا يقبل التجزئة.

عائشة بلحاج
عائشة بلحاج
عائشة بلحاج
رئيسة قسم الثقافة في "العربي الجديد"، صحافية وشاعرة مغربية.
عائشة بلحاج