هذا التقارب اختبار صعب لإسرائيل
لا يمكن قراءة التقارب السعودي المصري التركي الآخذ في التبلور في الأسابيع الماضية بمعزل عن الموقف السعودي المتصاعد من السياسات الإماراتية في اليمن وساحات إقليمية أخرى، كما لا يمكن فهمه بعيداً عن شعور هذه العواصم المتنامي بخطر مشترك من إعادة هندسة المنطقة على أساس التفتيت، عبر توظيف المليشيات الانفصالية، أو عبر شراكة واضحة بين إسرائيل والإمارات في ساحاتٍ مثل السودان وليبيا والقرن الأفريقي. يضاف إلى ذلك تعطّل مسار التطبيع مع الرياض، وتغيّر الخطاب السعودي وزيادة النبرة الانتقادية تجاه إسرائيل في الإعلام الرسمي، يقابلها نبرة انتقادية إسرائيلية مماثلة لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في الإعلام الإسرائيلي. وفوق ذلك كله، لا يستقيم المشهد إلّا إذا وضع في سياقَين أوسعَين؛ الأول حرب العامين الماضيَين في غزّة وما رافقها من سعي إسرائيل إلى فرض هيمنتها على الإقليم بالقوة، وهو ما تعزّز بعد قصفها الدوحة في سبتمبر/ أيلول الماضي، والذي نقل رسالة واضحة إلى المنطقة مفادها: "لا أحد في مأمن من إسرائيل"، حسب موقع ميدل إيست مونيتور. السياق الآخر أنّ ما حدث يعد إخفاقاً، وإن كان جزئياً، للاستراتيجيات الإسرائيلية في المنطقة، ولبنيامين نتنياهو نفسه، بحكم أنه من يقود السياسة الإسرائيلية ويرسم مساراتها في العقدين الماضيين.
من هذا المنظور، لا يبدو هذا التقارب ردة فعل عاطفيّة على الحرب في غزّة، وإنْ يُرجّح أنه إحدى نتائجها المهمة، كما أنه لا يبدو مناورة تكتيكية عابرة، بل أقرب إلى إعادة تموضع استراتيجي تسعى منه الدول الثلاث، وإنْ بدرجات متفاوتة فيما بينها، إلى استعادة منطق "الدولة" في مواجهة مسار طويل من تفكيك الجغرافيا السياسية العربية إلى ساحات نفوذ أمام المليشيات والتحالفات المريبة، التي لا تنتج سوى التفكك والتوتر. على أن هذا التلاقي، مهما بلغ من الأهمية، يظل محكوماً بسقوف المصالح الخاصة بكل دولة، وباختلاف تعريفها لطبيعة المواجهة وحدودها.
تتوافق مصالح الدول الثلاث إذاً في البحث عن توازن إقليمي جديد؛ لا تكون فيه إسرائيل الطرف الذي يعيد تشكيل المنطقة وحده، بل ربما إعادة رسم جغرافيا المنطقة إلى ما قبل مرحلة التفتّت في البيئات العربية المجاورة للدول الثلاث، وتحديداً في اليمن والسودان وليبيا وسورية. وهنا يرجّح أن يتعارض مسار تحالف الرياض والقاهرة وأنقرة مع التصوّرات الإسرائيلية للمنطقة.
تتوافق مصالح السعودية ومصر وتركيا في البحث عن توازن إقليمي جديد؛ لا تكون فيه إسرائيل الطرف الذي يعيد تشكيل المنطقة وحده
تشعر الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية في إسرائيل بقلق من هذه الخطوات، وسبق أن عبر نتنياهو في الأيام الماضية عن قلقه من أن التحالف التركي السعودي القطري سيكون سبباً في "قتل اتفاقات أبراهام"، وهو شعور يتفاقم أكثر مع انضمام مصر لما يجري من خطوات. ويعكس هذا كله انهيار فرضية مركزية سيطرت على التفكير الإسرائيلي في عهد نتنياهو؛ مفادها بأن الشرق الأوسط يمكن إدارته عبر تفكيكه إلى مسارات منفصلة، وأنّ الصراعات الداخلية في العالم العربي أدوات لإضعاف الدول وإعادة توجيه ولاءاتها بعيداً عن أي تصوّر عربي أو إقليمي جامع. فخلال العقود الماضية، استثمرت إسرائيل في نموذج إقليمي يقوم على تشجيع الفواعل التي تبقي الدول منشغلة بأزماتها، وتكون وسيلة لجعل حدود الدول الكبيرة في المنطقة في حالة قلق مستمر. وفي هذا السياق، يمكن القول إنّ وجود مليشيات انفصالية في اليمن والسودان وليبيا وسورية بات يفُهم في أنقرة والرياض والقاهرة مثالاً صارخاً على منطق التفتيت الذي يدار من الخارج بأجندة تخدم المشروع الصهيوني، وهو ما قد يستخدم مستقبلاً لتحويل حدود هذه الدول إلى ساحات صراع مفتوح.
هنا تحديداً يمكن فهم ما قامت به السعودية تجاه الإمارات في اليمن، وما تكشفه تقارير حول تنسيق عسكري متزايد بين القاهرة وأنقرة لدعم الجيش السوداني في مواجهة مليشيات الدعم السريع، المدعومة أيضاً إماراتياً وبتنسيق إسرائيلي تكشفه مشاركة قائد هذه المليشيات في اجتماعات في أبو ظبي بحضور شخصيات إسرائيلية كبيرة. ويلتقي الدعم المصري التركي للجيش السوداني مع الحسابات السعودية التي ترى في استقرار السودان جزءاً من أمنها القومي المباشر، على أساس أن احتمال انتصار مليشيا مدعومة من لاعبين خارجيين سيمنح هؤلاء اللاعبين أوراق ضغط جديدة في البحر الأحمر وشرق أفريقيا.
تضرب هذه التحولات في اليمن والسودان، وما حدث في سورية أخيراً، في عمق أحد أهم رهانات نتنياهو. فقد قام مشروعه الإقليمي، الذي بلغ ذروته مع اتفاقيات أبراهام، على افتراض أن إسرائيل تستطيع بناء شبكة علاقاتٍ مع دول عربية، لا سيّما الإمارات، من دون الحاجة إلى تسوياتٍ سياسيةٍ كبرى، وأن هذه الشبكة ستخلق دينامية تطبيع متصاعدة تقود في النهاية إلى السعودية. غير أن الحرب على غزة كشفت حدود هذا الافتراض؛ إذ أظهرت أن إسرائيل لا تسعى إلى الشراكة، بل إلى فرض الهيمنة عبر القوة العسكرية والتفتيت السياسي. إذ لم تؤد الحرب إلى تآكل صورة إسرائيل الدولية على المستوى الشعبي فحسب، بل كشفت أيضاً أن مشروع الكيان الصهيوني لا يتوقف عند تحييد القضية الفلسطينية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يسمح لإسرائيل بالتحرك بحرية مطلقة، من دون كوابح سياسية.
يؤمن نتنياهو أنّ الشرق الأوسط يمكن إدارته عبر تفكيكه إلى مسارات منفصلة
ومن الطبيعي أن ينعكس هذا التطور على النقاشات الداخلية في إسرائيل بشأن مسؤولية نتنياهو. فالرجل الذي قدم نفسه سنوات طويلة بوصفه مهندس العلاقات الإقليمية الجديدة، يجد نفسه اليوم أمام واقع يتشكل من دون مشاركته، إضافة إلى تعثر التطبيع مع السعودية، أو ربما تأجيله إلى أجل غير مسمى، علاوة على ما تقوم به مصر من تنسيق لأدوارها بعيداً عن تل أبيب، حتى إنها تنسق مع تركيا التي تتحفظ عليها إسرائيل منذ قدوم أردوغان إلى السلطة، من دون أن يمنع ذلك من التعاون بين القاهرة وتل أبيب في ملفات أخرى بالطبع. وليس من المبالغة النظر إلى ما يجري باعتباره إخفاقاً لنتنياهو؛ سواء على مستوى قراءة التحولات البنيوية في المنطقة، أو على مستوى تحويل التفوق العسكري إلى نظام إقليمي، أو تصور إمكانية أن يكون سيناريو التفكيك أساساً يقبل به الجميع، خصوصاً حين يهدد استقرار الدول. صحيح أنه من المبكر وضع تصورات للنتائج المحتملة من تقارب بين دول شهدت العلاقات بينها فترات توتر ممتدة، لكن ذلك لا يقلل من حجم التحدي الذي تشعر به إسرائيل في مواجهة تعاون دول إقليمية كبيرة في ضبط الفوضى وكبح المليشيات ووقف سيناريو التفتيت، وهي أهداف تتعارض مع الرؤية الإسرائيلية، خصوصاً في العقدَين الماضيَين.
ويمكن القول إنّ هناك إجماعاً إسرائيلياً على اعتبار ما يجري تهديداً، ومصدرَ قلق حقيقياً لإسرائيل، مثلما عبرت صحيفة جيروزاليم بوست عقب جولة أردوغان أخيراً في السعودية ومصر. وترى الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، جاليا ليندنشتراوس، أن الدول الثلاث تعتقد أن أي حرب أميركية محتملة ضد إيران تمثل خطراً كبيراً لما تعنيه من تفاقم القوة الإسرائيلية، إضافة إلى أن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال لم يكن مقبولاً لدى السعودية ومصر وتركيا، ولذلك ترغب هذه الدول في كبح جماح إسرائيل. وما يحدث هنا أن هذا التقارب بين العواصم الثلاث لم تشهده المنطقة منذ فترة طويلة، وهو موجّه بالأساس ضد سياسات الإمارات وإسرائيل في المنطقة. وتضيف ليندنشتراوس أن ما يقلق إسرائيل أكثر أن يؤدي ما يحدث إلى تعميق عزلة إسرائيل السياسية، في ظل ما يبدو من صرف السعودية نظرها عن التطبيع، وإبداء القاهرة استعدادها التعاون مع تركيا لضمان استقرار الوضع في غزّة، وعدم امتداد أزمة القطاع إلى مصر. وفي السياق نفسه، هناك من يعتقد أن تركيا مصدر الخطر الأساس في الأحداث؛ إذ ترى الصحافية في معاريف، عنات هوخبرج ميروم، أن توسيع تركيا نفوذها في سورية، بعدما تخلى الأميركان عن الأكراد السوريين، وسعيها للانضمام إلى الاتفاق العسكري السعودي- الباكستاني، إضافة إلى محاولة أنقرة تشكيل تحالفات إقليمية تلعب فيها دوراً محورياً يربط الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والبحر الأحمر، بتنسيق مع السعودية ومصر، يعني تشكّل محور سنّي جديد قد يقلّص هامش المناورة الإسرائيلي في قضايا جوهرية مثل إيران وغزة وسورية وترتيبات أمن الطاقة الإقليمية، ويضع إسرائيل أمام واقع استراتيجي معقد وتحديات أخطر بكثير من الواقع الذي عرفته في العقود الأخيرة، ليس على المستوى الأمني فحسب، بل أيضاً على مستوى الاقتصاد وإيجاد طرق بديلة لتصدير الطاقة قد تستثني إسرائيل من المعادلة.
وإذا كانت هذه الآراء الإسرائيلية وغيرها تظهر أن تقارب العواصم العربية والإسلامية الثلاث إخفاق للسياسة الإسرائيلية، فذلك لا يعني بالضرورة انهيار الاستراتيجية الإسرائيلية بقدر ما يعكس اهتزاز الفكرة التي حكمت سياسة إسرائيل في العقدَين الماضيين، والقائمة على تصوّر إدارة المنطقة عبر التفكيك والتحالفات الانتقائية والاعتقاد أنّ تفوقها العسكري كافٍ لتحييد القضايا الكبرى وإضعاف كل اللاعبين الإقليميين لصالحها. ومع ذلك، المبالغة في تقدير آثار هذا التقارب تبقى محفوفة بالمخاطر؛ إذ ما يزال ما يجري في طور التشكّل، علاوة على اختلاف أولويات الدول الثلاث في تعاملها مع إسرائيل. وتبقى قدرة هذا المتغيّر الجديد على التحوّل مساراً طويل الأمد مرهونة بمدى استعداد هذه الدول لتحويل التقاطع السياسي الحالي إلى سياسات عملية مستدامة.