هل إيران على مشارف التغيير؟

18 يناير 2026

حرائق في احتجاجات إيان ضد الحكومة في طهران (8/1/2026 Getty)

+ الخط -

يحتجّ البازار أخيراً؛ أهميته في أنه لعب دوراً أساسياً في إسقاط نظام الشاه حينما دعا إلى الإضرابات والتظاهر ضده في 1979. هو الطبقة التجارية في إيران، ولها علاقات مع التجار وبقية طبقات المجتمع، في مختلف الأقاليم والمحافظات الإيرانية. وبالتالي، هذا معطى جديد، ويشير إلى تصدّع عميق في الطبقات التي اعتمد عليها النظام الإيراني منذ الثورة. لم يشارك البازار من قبل، في الثورة الخضراء 2009، أو في احتجاجات 2022، ولا في سواها. لم يستوعب النظام المتضرّرين من تلك الثورات، وبمشاركة طبقة التجار، فإن هناك افتراقاً واسعاً بين طبقات واسعة من الشعب والنظام، وبالتالي، لم تعد الدولة تمثل أغلبية الإيرانيين.

شكّل انخفاض سعر الريال الإيراني أكثر من 1650 ريالاً مقابل دولار واحد والصعوبات البالغة للأوضاع المعيشية سبباً مركزياً في إضراب البازار، ولو انتقلنا إلى قراءة قيمة الدخول للطبقات الفقيرة نكتشف أن الوضعين الاجتماعي والاقتصادي في أسوأ درجاتهما، وبشكل غير مسبوق. قبالة ذلك، تتمركز الثروة والنشاط الاقتصادي بيد شركات تابعة للحرس الثوري (من 30 إلى 40%)، وبحدود 20 إلى 25% للمؤسسات الوقفية، بينما تنخفض حصة الحكومة إلى أقل من 25، والقطاع الخاص بحدود 10%، ووفق تقريرٍ في "العربي الجديد" عن "خريطة الاقتصاد الإيراني" يؤثّر هذا التركز للثروة، كذلك، على شرائح واسعة من الطبقة السياسية، ويدفعها إلى التذمّر من سلطات أعلى من سلطات الدولة، وهذا سيدفع فئاتٍ منها إلى الانضمام للاحتجاجات، الجارية حالياً، أو المستقبلية كذلك. ولا تستبعد هذه المادّة استمرارية العقوبات الخارجية، ولا تنفي إمكانية الوصول إلى تفاهم مع ترامب، وقد تتعرّض إيران إلى عدوانٍ أميركيٍّ أو صهيوني كذلك، ولكن القضية تتعلق بطبيعة القوى المسيطرة على الاقتصاد وعلى النظام، والتي تستحوذ على أكثر من 65% من الاقتصاد والثروة، وهي شبه مستقلة عن الدولة، وتحاصصها مواردها، وتتحكم بسياستها الخارجية، ولهذا وجدنا أحد شعارات الاحتجاجات المتسعة: رفض التدخلات الإيرانية في الخارج.

هل يملك النظام الإيراني المرونة لتدوير الزوايا مع الأميركان والصهاينة؟ وتخفيف الضغوط الخارجية. وهل يمكن لهاتين الدولتين إبقاء النظام الأساس في محور المقاومة مستمرّاً رغم التغيير الكبير الذي أحدثاه في الشرق الأوسط وبدءاً من 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، لا سيما أن إيران محسوبة على روسيا والصين. لا يتّصف النظام الإيراني بمرونةٍ كثيرة تَفترض، غير الخضوع للشروط الأميركية والصهيونية، إعطاء الشعب مزيداً من الحريات وفرص العمل والمساواة بين الجنسين، وهي جزء من المطالب السياسية الجديدة للمتظاهرين؛ وكذلك إلغاء وجود جيش موازٍ (الحرس الثوري) واقتصاد موازٍ (شركات الحرس والوقف).

يستفيد النظام الإيراني من تشتت المعارضة، ومن دخول رضا بهلوي على خط التظاهرات. التشتت هذا يمنع بروز قيادة موحدة للمعارضة، تقودها، وتفاوض الخارج، وتشحذ همم التظاهرات. واجه النظام المظاهرات بمظاهراتٍ للفئات المؤيدة له، ومستفيداً من خوف المؤيدين من عودة نظام الشاه ومن المستقبل! ومستغلاً ذريعة العقوبات والضغوط الأميركية، التي تمنع إيران من النهوض، وتدارك مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية.

دعوة المؤيدين إلى التظاهر ضد التدخل الخارجي ودعماً للثورة، ليس مدخلاً سليماً لمواجهة مطالب الشعب، الاقتصادية، والسياسية، وسواها

تتوسع الاحتجاجات، وغير طبقة التجار، هناك احتجاجات الأرياف، التي تدهورت أوضاعها لأسبابٍ كثيرة وغير مسألة الجفاف، هناك تراجع الدعم الحكومي بشكل كبير. إذاً هناك طبقتان كبيرتان تتجهان إلى التفارق الكلي مع السلطة، وإذا أضفنا القوميات التي تعرّضت لقمعٍ مستمر كالأكراد والعرب، ووجود طبقة وسطى "ليبرالية" ورافضة للسلطة، فإن الأمور تتجه نحو من مزيد من الاحتجاجات، والأسوأ هو مقدار القمع والقتل والاعتقالات الواسعة التي تُواجه بها السلطة. من تجارب الثورات العربية، ممارساتٌ كهذه ستزيد الاحتجاجات، وتنتقل إلى مناطق أخرى، وبالتالي، هناك احتمال كبير للتغيير في إيران.

هناك شريحة كبيرة من "الإصلاحيين" راغبين في التغيير، وهم على خلافٍ كبيرٍ مع المحافظين ومع قيادة الحرس وحتى مع المرشد الأعلى. هذه الشريحة، ينتمي إليها حتى الرئيس الإيراني، والذي يرفض الحل الأمني، في العلاقة مع التظاهرات، ويؤكد على الحوار مع المتظاهرين.

المراقبة الدقيقة لطبيعة الاحتجاجات وشعارتها، والأزمة الاقتصادية والاجتماعية واحتكار السلطة ومنذ عقود، رغم الخلاف بين الإصلاحين والمحافظين، تفيد بأن هناك طبقات متعددة أصبحت رافضة الحوار، تفكر فقط بالتفاوض مع السلطة، أي أن تقدم السلطة تنازلات حقيقية للشعب، وذكرت بعضها، ولكنها تتجاوز ذلك إلى العودة إلى الدولة الليبرالية، وإشاعة الحريات، وبالتالي، إحداث تغييراتٍ كبرى، تطاول كل أسس النظام منذ 1979. هذا هو السبب الذي يدفع إلى القول إن دخول طبقة البازار تشير إلى مرحلة جديدة، صار على النظام أن يعي خطورتها.

تمرّ إيران بلحظة تاريخية معقدة للغاية، وقواها الداخلية، السلطة والمعارضة، في حالة تشتت وانقسامات كبيرة

دعوة المؤيدين إلى التظاهر ضد التدخل الخارجي ودعماً للثورة، ليس مدخلاً سليماً لمواجهة مطالب الشعب، الاقتصادية، والسياسية، وسواها. هذا شكلٌ تقليدي، ارتبط بالسنوات الأولى للثورة، وأصبح من الماضي لدى أغلبية الإيرانيين. ولكنه يوضح ضعف الحجج لدى النظام، لا سيما تزامنه مع القمع والقتل الواسعين أخيراً. أي حل لا يعيد الثقة للإيرانيين بالنظام لن يصمد طويلاً؛ جديد احتجاجات واسعة كانت قبل ثلاث سنوات، وهذا يفيد بأن الأزمات الداخلية أصبحت عميقة، وتتطلب التغيير.

تمرّ إيران بلحظة تاريخية معقدة للغاية، وقواها الداخلية، السلطة والمعارضة، في حالة تشتت وانقسامات كبيرة. يتزامن ذلك مع التغيير الجيواستراتيجي بقيادة الإدارة الأميركية، والتي تحاول إحكام قبضتها على المنطقة، وتتيح للدولة الصهيونية رسم خرائطها بدرجة كبيرة؛ تعتمد على تركيا ودول الخليج بشكل أقل، أو بما لا يتعارض مع الرؤية الصهيونية. هذا تعقيد كبير، ومؤشر إلى إمكانية توجيه ضربة عسكرية صهيونية واسعة، وبغطاء أميركي، للنظام الإيراني، وهذا سيضعفه داخلياً وبشكل كبيرٍ، فكيف ستتفادى أزمات الداخل والضغوط الأميركية، وهل سيستطيع النظام إرضاء ترامب والخضوع لشروطه، ومحاصرة الاحتجاجات من ناحية والحكومة الصهيونية من ناحية؟