هل بدأ نزع سلاح المليشيات في العراق؟
اعترض معلّقون عراقيون كثيرون على رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، لوصفه قادةَ الفصائل المسلّحة بـ"القادة" و"الأخوة" في البيان الذي وزّعه مجلس القضاء تعليقاً على إعلانات بعض الفصائل نيّتها تسليم سلاحها للحكومة العراقية.
التقط هذه المفارقة النائب الأميركي الجمهوري جو ويلسون، إذ بيّن في تغريدة على موقع إكس أن اللغة التي استخدمها بيان مجلس القضاء "لا تعكس سلوك مؤسّسة حكومية، ولا سلوك قضاءٍ محايد، بل تُظهر بوضوح قناة اتصال وعلاقةً مستمرة بين القيادة القضائية وفصائل المليشيات". وأضاف: "لا يُقدّم القضاء المستقل الشكرَ للجماعات المسلحة على اتباع نصائحه، ولا يُقيّم أعمالها السياسية أو العسكرية، فهذا السلوك خارجٌ تماماً عن نطاق دوره الدستوري"، مؤكداً أن هذا الخطاب "يدلّ على أن القضية لا تتعلّق بسيادة القانون، بل بتداخل الأدوار ومحاولة إرسال رسائل سياسية تحت غطاء قضائي".
وفي الموضوع نفسه، وبحسب فيديو نشره الباحث العراقي عقيل عبّاس على حسابه في "يوتيوب"، من الممكن أن تكون قوى الإطار التنسيقي الشيعية قد فضّلت أن يكون القضاء في الواجهة، باعتباره الجهة التي تتفاعل مع مواقف المليشيات، بدلاً من القوى السياسية التي تتحرّج من هذا الموقف.
ومع ذلك، فإن أكبر فصيلين، النجباء وكتائب حزب الله، أعلنا رفضهما نزع السلاح أو تسليمه للحكومة، بل هاجما الفصائل الأخرى صاحبة الإعلان، ثم استدارا لمهاجمة القاضي فائق زيدان، واتهماه بأنه "مبعوث إسرائيلي". كما أن الفصائل صاحبة الإعلان استخدمت مفردة "تسليم" السلاح للدولة، لا "نزع" السلاح أو "حلّ" الفصائل، من دون أي توضيح للآليات أو التوقيتات. وفي الوقت نفسه، وقد لا يكون ذلك محض مصادفة، وصلت الكولونيل ستيفانا باغلي إلى العراق لتباشر مهامها الجديدة مديرةً لـمكتب التعاون الأمني الأميركي، ويُقال إن إحدى مهمّاتها في بغداد الإشراف على آليات نزع المليشيات لسلاحها.
احتفل معلّقون كثيرون بقرار المليشيات، وسخر بعضهم منه، غير أن جملةً من المعطيات تؤكّد أن هذا الاحتفال سابقٌ لأوانه، وأن ما تحقّق ليس شيئاً واضحاً، ولا يعدو كونه مناورةً جديدة للإيحاء بالانحناء للمطالب الأميركية، من دون تقديم تنازلات حقيقية. فثمة، في واقع الحال، الكثير من الحيثيات التي تجعل الصورة ضبابية، لعلّ أهمّها اختلاف الأهداف المطلوبة من حلّ المليشيات ونزع سلاحها بين الجانب الأميركي والجانب العراقي. فالإدارة الأميركية منشغلة بتحييد الساحة العراقية عن أي مواجهة جديدة قد تقع بين إسرائيل وإيران في المرحلة المقبلة. أمّا في الساحة العراقية، فعلى الرغم من إجماع أطراف كثيرة، بدءاً من مرجعية النجف، مروراً بالتيارات العلمانية والمدنية، وصولاً إلى عدد كبير من التيارات السنيّة والكردية، على ضرورة إنهاء المليشيات، فلا يوجد طرف سياسي قوي داخل دائرة أحزاب الإسلام السياسي الشيعي يريد حقّاً نزع سلاح المليشيات، أو يعدّه أولوية في الظرف الراهن، وما الاستجابة الحالية إلا مسايرةً للرغبة الأميركية.
وترى الأطراف العراقية الرافضة وجود المليشيات أن المشكلة بنيوية، إذ إن وجودها يعطّل عمل الدولة نفسها، ويُضخّم كياناً موازياً لجسد الدولة يمتصّ خيراتها، ويمنع التنافس الحرّ السياسي والاقتصادي، ويرهن البلاد كلّها بيد الحرس الثوري الإيراني.
أما من وجهة النظر الأميركية، فقد ينتهي الأمر عند حدود تهدئة المخاوف الإسرائيلية فقط، وإن غدت المليشيات بعدها أليفة و"صديقة" للأميركيين، فلا بأس إن فعلت بالعراقيين ما تشاء. وهذا التصوّر يتردّد على ألسنة كثير من العراقيين اليائسين من إمكان الوصول إلى حلّ جذري لهذه المعضلة الكبرى.
يبدو المشهد العراقي برمّته وكأنه مرتهن لتغيّر مزاج المليشيات وقرارها، من تلقاء نفسها، أن تترك السلاح وتتّجه إلى العملين السياسي والاقتصادي، لا أن تُجبر على ذلك بفعل قوّة الدولة وقدرتها على إخضاع الخارجين على قوانينها. ... وأمام هذه الصورة القاتمة، يرى بعض المتفائلين أن العجلة بدأت بالدوران، وأن علينا انتظار تنازلات قادمة، وإن كانت تدريجية، وأن التعويل الأكبر في مسار هذه القصة إنما يقع على اختيار رئيس الحكومة المقبلة وطاقمه الوزاري، إذ سيكشف ذلك عن ميل النخبة السياسية إلى عبور زمن المليشيات بجدّية، أو الإصرار على تدويرها والتعايش معها.