هل نجرؤ؟
(بول كلي)
يقول هاروكي موراكامي في "يوميات طائر الزنبرك" (نقلها إلى العربية أحمد المعيني، دار الآداب، بيروت، 2021): "ولا مرّة في حياتي حصلت على شيء أريده فعلاً". عبارة تبدو للوهلة الأولى وكأنها تعبير عن اليأس، لكنّها في حقيقتها تعبّر عن اعتياد الفقد حتى يصبح المعنى الوحيد لما تبقّى من الحياة.
ثمّة نوع من الناس، ربّما نحن منهم، لا يعرفون كيف يمدّون أيديهم نحو ما يريدون، ليس لأنهم عاجزون، بل لأنهم نسوا مع الوقت كيف يبدو "الشيء المرغوب" حقاً. تتآكل الرغبة في داخلهم ببطء، كما يتآكل الصخر تحت المطر، حتى يغدو الحلم مجرّد فكرة باهتة تمرّ في الذهن ولا تستدعي أيَّ انفعال. ومتى ما وصل المرء إلى تلك النقطة، يصبح حصوله على ما يريد بلا طعم، تماماً كما لو نال جائزةً في لعبة لم يعد يذكر لماذا بدأها أصلاً.
ربما أراد موراكامي أن يلمّح إلى هذا الفراغ العميق الذي يخلّفه الحرمان المستمرّ، لا بوصفه فقراً في الحظّ، بل حالة وجودية يصعب الخروج منها. فحين لا تحصل على ما تريد مراراً، تبدأ بنزع القيمة عن الأشياء، وتصبح الرغبات نفسها عبئاً ينبغي التخلّص منه. هكذا يتحوّل الحرمان عادةً، لا تعرف نفسك من دونها.
كم مرّة أقنعنا أنفسنا بأننا لا نريد ما لا يمكننا الحصول عليه؟ ذلك المنطق الدفاعي الذي يُخفي الخيبة وراء ستار الحكمة. نقول: "ربّما لم يكن لي أصلاً"، "ربّما الخير في غيره"، "ربّما لم أكن مستعدّاً". نردّد العبارات ذاتها حتى نصدّقها، ثم نعيش بها، ونُربّي أبناءنا عليها، ونكتبها في الكتب المدرسية كأنها فضيلة. لكن الحقيقة أن كلّ تلك "الربماوات" ليست سوى شكلٍ من أشكال الاستسلام المتأنّق، نلوّنه بالكلمات حتى لا يبدو عار الحرمان فادحاً.
هناك لحظة حرجة يختبرها المرء عندما يكتشف أنه لم يعد يعرف ما يريد، ليس لأنه نال كل شيء، بل لأنه لم يحصل على شيء كما يكفي. كأن الحياة أرهقته في لعبة الأخذ والمنع، فترك الساحة لئلا يواصل الخسارة. تلك اللحظة لا تطرق الباب بعنف، بل تأتي على مهل، حين تستيقظ صباحاً لتجدَ أن ما كنتَ تحلم به بالأمس لا يعنيك اليوم، وأن الأشياء التي كانت تُبهجك أصبحت بلا أثر.
أن تفقد الرغبة يعني أن تفقد بوصلتك، فالرغبة ليست مجرّد نزعة لامتلاك شيء ما، بل هي دليل داخلي على أنك حيّ، أنك ما زلت قادراً على الانفعال والدهشة والانتظار. حين تغيب الرغبة، يذبل الخيال، ويتحوّل المرء مراقِباً بارداً لحياته، يقف على شاطئها من دون أن يجرؤ على البلل.
أحياناً يكون فقدان الرغبة شكلاً من أشكال الحماية. فالمرء الذي عانى كثيراً الخذلانَ يتعلّم أن يطلب بحذر، ويحبّ بخوف، ويحلم بحدود. حتى يصبح الحذر عقله الثاني، والخوف ظلّه الدائم، واللامبالاة درعه التي تحميه من الانكسار المقبل. لكنّه لا يدرك أن تلك الدرع، وإن حمتْه من الألم، سرقتْ منه القدرة على الفرح أيضاً.
كم هو هشّ التوازن بين الرغبة والألم! لا يمكننا أن نرغب من دون أن نخاطر بالأذى، ولا يمكننا أن ننجو من الأذى من دون أن نخنق الرغبة. لكن الحياة لا تُحتمل حين تُختزل في النجاة وحدها. فالحلم، حتى وإن لم يتحقّق، يمنحنا معنى الوجود، فيمدّنا مثلاً بسببٍ للاستيقاظ صباحاً، ويدفعنا نحو احتمالات جديدة. أن ترغب يعني أن تعترف بنقصك، وأن تحتفظ في قلبك بمساحة مفتوحة لما لم يأتِ بعد، وهذا في حدّ ذاته نوع من الشجاعة.
ربّما لهذا تبدو عبارة موراكامي موجعة، لأنها تقول ما يخشاه كثيرون. أن يمرّ العمر ونحن نحصل على أشياء كثيرة، لكنّها ليست تلك التي تمنيناها في الأصل. وأن تتكدّس حولنا الإنجازات الصغيرة، والنجاحات اليومية، لكنّها لا تملأ الفجوة التي نعرف مكانها جيداً في داخلنا.
ولعلّ أجمل ما في الرغبة أنها تذكّرنا دوماً بإنسانيتنا، فهي لا تحتاج إلى إذنٍ أو مبرّر. يمكن أن نحلم بما لا يمكن تحقيقه، ونشتهي ما لا يُتاح، ونمدّ القلب نحو ما يبتعد. في تلك الحركة البسيطة، بين ما نملك وما نريد، تتكوّن الحياة بأكملها. أمّا الذين اعتادوا الحرمان حتى فقدوا القدرة على الرغبة، فهم لا يعيشون أقلّ من غيرهم، لكنّهم يعيشون بلا معنى. ولأن المعنى هو ما يجعل الخسارة محتملة، يصبح غيابه أشدّ قسوة من الفقد نفسه.
وليس السؤال؛ لماذا لم نحصل على ما أردنا؟ بل: ماذا فعل بنا هذا الحرمان؟ هل جعلنا أكثر حكمة، أم أقلّ حياة؟ وهل نستطيع بعد هذا كلّه أن نرغب من جديد؟ ربّما لا نعرف الإجابة الآن، لكن يكفي أن نجرؤ على السؤال، فالسؤال نفسه هو أول ومضة من عودة الرغبة إلى القلب.