هل ينجح ترامب في تغيير العالم؟

08 ابريل 2026
+ الخط -

يجتهد باحثون وكتاب في محاولة تأصيل خطوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإشعاله الحرب في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها تؤسّس لمنهج جديد في العلاقات الدولية يقوم على قاعدة "القوة والصدام"، وتعيد تعريف قواعد اللعبة من خلال وضع حركة العالم في يد دولة قوية تفرض سلطتها على الدول الأخرى، وعلى تلك الدول القبول بذلك إذا شاءت أن تحافظ على استقرارها وأمنها. وبالطبع، الدولة التي يرى دعاة هذا المنهج أنها المؤهلة للقيام بهذا الدور هي الولايات المتحدة باعتبارها "الدولة الأعظم".

يعبّر ترامب دائماً عن كرهه الشديد تيار الإسلام الراديكالي الذي تمثله "دولة ولاية الفقيه" باعتبار أنها تهدّد حضارة الغرب وتنشر الإرهاب في العالم

ويطرح هؤلاء ما يعتبرونها الخلفية التي أوصلت العالم إلى هذا المنحنى، مشيرين إلى أنّ الأزمة التي يعيشها عالم اليوم ليست وليدة مصادفة محضة، أو نتاج لمجريات الحرب المشتعلة، إنما هي حصيلة سياسات خاطئة اتبعتها القوى المهيمنة، ما سمح للاضطراب والتداخل أن يصبح هو القاعدة، وينحو الباحث الأميركي (من أصل كوبي) خورخي ليون باللائمة على "الديمقراطيات الغربية" بالذات التي يقول إنّها السبب في ظهور تياراتٍ هجينةٍ أوصلت العالم إلى ما هو عليه، إذ كانت تلك الدول ضبابية في تمسّكها بمفاهيم الحرية والعدالة داخل مجتمعاتها، وقد تخطت في سياساتها الخارجية قواعد القانون الدولي التي درج عليها العالم منذ صلح وستفاليا عام 1648 الذي فتح الطريق أمام تأسيس الدول القومية، ونظم العلاقات فيما بينها.
وفي ظلّ هذا الاضطراب والتداخل، ظهر تيار "اليقظة wokeism" على يد الأميركيين السود الرافضين سياسة التمييز العنصري، وتطوّر ليشمل نقد سياسات الهوية والعدالة الاجتماعية وحقوق النساء وليروّج مسألة "الجندر" التي تنكر البيولوجيا، وكان رأي ترامب أنّ هذا التيار يسعى إلى التحلّل من القيم الأخلاقية، وينشر الفوضى، ويعمل على تآكل استقرار المجتمعات وشرذمتها.
ويناصب ترامب العداء أيضاً للتيارات اليسارية التي يصفها بالشيوعية التي يقول إنها تعمل على توليد البؤس والقمع في المجتمع، وهي التهمة التي يوجهها إلى خصومه الديمقراطيين في الداخل، كذلك يعبّر ترامب دائماً عن كرهه الشديد تيار الإسلام الراديكالي الذي تمثله "دولة ولاية الفقيه" التي، على حدّ قوله، تهدّد حضارة الغرب وتعمل على نشر الإرهاب في العالم.
وهكذا ظهر ترامب ليس لإدارة الفوضى فحسب، إنما ليقود حملة "مقدسة" لمواجهة هذه التيارات التي تحوي من التناقض في ما بينها أكثر مما تحويه من نقاط الاتفاق، وليشرع في قيادة لعبة شطرنج جيوسياسية لا تتوافق مع النظام الدولي، وإنما تعيد إنتاجه على نحو مختلف، وشرع بكسر قوانين السياسة التقليدية، ومارس الضغط على دولٍ بهدف الحصول على منافع اقتصادية لبلاده، وفرض رسوماً على منتجات دول أخرى من دون التفاوض معها، وأعاد تحديد شراكات بلاده مع الدول، وأحكم خططه للسيطرة على مراكز القوة الاقتصادية في العالم، وحاول الاستحواذ على جزيرة غرينلاند، وهدّد كولومبيا والمكسيك، ووعد بتغيير النظام في كوبا، وخرب علاقة بلاده بأوروبا وحلف الناتو، وفي واحدة من "شطحاته" قفز إلى فنزويلا، واختطف رئيسها نيكولاس مادورو، واقتاده إلى السجن ليحاكمه بزعم رعايته شركة مخدرات ودعمه للإرهاب، وانتقل بعد شعوره بنشوة نجاحه إلى الشرق الأوسط برفقة بنيامين نتنياهو، ليغتال مرشد الجمهورية الإسلامية وقادة آخرين، ويشعل حرباً لن يخرج منها على النحو الذي رسمه.

لا يتحوّل النظام العالمي بسلاسة، وإنما بفعل ضربات جذرية ومتلاحقة، ونجاح هذا المسار الهجين يدخل العالم في حقبة مليئة بالاضطراب والفوضى

لكنّه، ومع كل هذه العمليات "الهجومية" سجل، بمزيج من الجرأة والوقاحة انقراض الهياكل التقليدية للنظام الدولي، متيحاً المجال لنظام جديد مختلف، يقوم على قاعدة "القوة والصدام"، القوة لفرض ما يريده على العالم، والصدام إذا لم يتحقّق ما يطمع فيه، ومن المؤكّد أنّ نظاماً جديداً كالذي يريده ترامب سيواجه اعتراضاً ومقاومة من الصين وروسيا، وحتّى من كوريا الشمالية، وربما من قوى إقليمية في طريقها إلى الصعود في هذه القارّة أو تلك. لكن ما سوف يعرفه العالم عن ترامب أنه ربط مفهوم العلاقات الدولية بمركز "الدولة الأعظم"، وسعى إلى تجسيد هذا المفهوم عملياً في "اختراعه" مجلساً للسلام العالمي نصّب نفسه عليه رئيساً مدى الحياة، وأراده، على ما يبدو، بديلاً لمنظمة الأمم المتحدة.
وإذا ما قدّر لهذا المسار الهجين أن ينجح سوف يكون العالم قد دخل في حقبة أخرى مليئة بالاضطراب والفوضى، وربما بالتوحش أيضاً، لأنّ النظام العالمي لا يتحوّل بسلاسة، وإنما بفعل ضربات جذرية ومتلاحقة، وترامب بالتأكيد هو أحد الرجال الذين يدفعون باتجاه ذلك، وهذا ما يقوله أنصاره أيضاً.

583FA63D-7FE6-4F72-ACDD-59AE85C682EB
عبد اللطيف السعدون

كاتب عراقي، ماجستير علاقات دولية من جامعة كالجري – كندا، شغل وظائف إعلامية ودبلوماسية. رأس تحرير مجلة "المثقف العربي" وعمل مدرسا في كلية الاعلام، وشارك في مؤتمرات عربية ودولية. صدر من ترجمته كتاب "مذكرات أمريكيتين في مضارب شمر"