واجب الاعتذار
(صادق الفراجي)
الاعتذار عن جرائمَ مرتكبةٍ بحقّ الآخرين فعل يضع الأمّة أمام مرآة تاريخها. فأن تعتذر دولة عمّا ارتكبته بحقّ شعبٍ آخر يعني أنها تقبل تفكيك جزء من السردية البطولية التي بنت عليها هُويَّتها وهدمه، وأنها تعترف بأنها نهبت وعذّبت وأبادت، وقد حان وقت أن تُقرّ بإنسانية من فعلت ذلك كله بحقّه، فالاعتذار ليس مجرّد أخلاقيات، بل هو سياسة في أعمق معانيها، لأنه يمسّ العلاقة بين الذاكرة والسلطة، بين الماضي الذي يُنكَر والمستقبل الذي يُراد تشكيله.
قامت الولايات المتحدة مثلاً على أنقاض شعوب أصلية جرى اقتلعت وأبيدت. ومع ذلك، لم يأتِ اعتذار رسمي شامل. كتب الكونغرس عام 2009 نصّاً رمزياً بقي طيّ الأوراق، ولم يُقرأ بصوت الرئيس أمام الشعب. وليس الأمر مصادفة، لأن التغاضي والصمت سياسة، طالما يفتح الاعتراف باب أسئلة لا تُحتمل: من يملك الأرض؟ من صاحب الشرعية التاريخية؟ كيف تُبنى دولة على مقبرة جماعية من دون أن تهتز أركانها؟ أيضا، قتلت الحرب الفيتنامية ملايين البشر، وسمّمتهم والأراضي بـملايين اللترات من المبيدات السامة (العامل البرتقالي) التي استخدمها الجيش الأميركي. ومع ذلك، لا اعتذار، إذ يكتفي السياسيون بالحديث عن "أخطاء مؤلمة"، لا عن جريمة. هكذا، تحيا أميركا مع تاريخ غير مكتمل، بينما يرزح الفيتناميون تحت آثار السموم والخراب.
بَنتْ الإمبراطورية التي "لا تغيب عنها الشمس" عظمتها على نهب الهند وأفريقيا والشرق. ومع ذلك، لم يصدر اعتذار شامل. الاستثناء الوحيد كان عام 2013، حين اعترفت لندن بتعذيب الكينيين خلال ثورة الماو ماو. أمّا المجاعات، والإبادات، وتقسيمات الحدود الدموية، فبقيت خارج الاعتراف، بحسب منطق الذاكرة الانتقائية: الاعتذار أجل، حين يكون محدود الكلفة سياسياً، والإنكار نعم، حين يهدّد أساسات "الفخر الوطني".
في ما يخصّ فرنسا الُمستعمِرة، قال الرئيس ماكرون إن الاستعمار "جريمة ضدّ الإنسانية"، لكنه رفض الاعتذار الرسمي عن 132 سنة من القمع والإبادة في الجزائر. لماذا؟... لأن الاستعمار لم يكن مجرّد مرحلة، بل من عناصر تأسيس الهُويَّة الفرنسية الحديثة. الاعتذار هنا يعني خلخلة صورة الأمّة بوصفها حاملة "رسالة حضارية"، ما يجعل تمويه الماضي وإنكاره شرطاً لحماية الأسطورة الوطنية.
من يعترف بجرائمه يُخلي مكاناً للضحايا في ذاكرة الجماعة، ويفتح إمكانيةً لتاريخ مشترك أكثر إنصافاً وعدلاً. أمّا من ينزع إلى عكس ذلك، فهو يحكم على نفسه بذاكرة منقوصة، ومستقبل مؤسّس على الكذب وإنكار الآخر. لذا، وجب اعتبار الاعتذار فعلاً فلسفياً، بقدر ما هو سياسي. إنه الإقرار بأن العدالة تتجاوز الحاضر لتطاول الأجيال المقبلة. وفي هذا، لا بدّ من القول إن ألمانيا مثّلت استثناءً حين قدّمت اعتذاراً "محسوباً" عن الهولوكوست، ودفعت تعويضات. لكن هذا الاعتذار كان مشروطاً: تجاهل طويل لإبادة الهيريرو والناما في ناميبيا، واعتراف بها متأخّر جدّاً عام 2021. وبذلك يتضح أن الاعتذار ليس أخلاقاً خالصة، بل أداة سياسية يمكن أن تكون استثماراً لبناء شرعية دولية، كما حدث مع ألمانيا ما بعد الحرب.
قبالة ألمانيا، يظهر المثال الإسرائيلي أقصى صور قلب المعادلة، فإسرائيل قامت على نكبة 1948: تهجير مئات آلاف الفلسطينيين وتدمير مئات القرى، مع رفضها القاطع الاعتراف بما ارتكبت. حتى إن مشروعها بأكمله قام على إنكار جريمتها، ومطالبة العالم كلّه بالاعتذار عن جريمة الهولوكوست. أجل، نجحت إسرائيل في تحويل نفسها من جلاد إلى ضحية، تستثمر اعتذارات الآخرين لتعزيز شرعيتها، بينما تنكر الاعتراف في حدّ أدنى بما ارتكبته وترتكبه بالفلسطينيين. سياسة ذاكرة معكوسة، إذ يُنتَزع الاعتذارُ من الخارج، ويُحوَّل رأسَ مالٍ سياسي، بينما يُلغى الداخل ويُمحى من التاريخ.
واجب الاعتذار، إذن، اختبار أخلاقي للذاكرة، واختبار سياسيّ للهُويَّة. فالأمم التي تعجز عن الاعتذار عن جرائمها تعيش وتبني على إنكار يؤسّس لمستقبل هشّ، بينما يواصل الضحايا حمل ذاكرة الجرح. بيد أن إسرائيل تكشف الوجه الأخطر حين تحوّل الاعتذار من أداةٍ لتحقيق العدالة إلى أداة لفرض الهيمنة. هنا بات السؤال فلسفياً بامتياز: هل يمكن قيام عدالة حقيقية في عالم يُدار بذاكرة انتقائية تجعل من الاعتذار سلعةً، والإنكار نظاماً؟