يوم فاز الجميع في انتخابات فرنسية

08 ابريل 2026

فرز أصوات في مركز اقتراع للانتخابات البلدية الفرنسية بمدينة أنغوليم (22/3/2026 فرانس برس)

+ الخط -

متابعة أخبار من خارج كابوس الحرب في المنطقة علاج نفسي ضروري، خصوصاً لمن تفرض عليه مهنته التسمّر أمام الشاشة معظم ساعات اليوم والليل، كالصحافيين. ومن قرأ عن الانتخابات البلدية الفرنسية في الأسابيع الماضية، وتحديداً نتائج دورتها الثانية في 22 الشهر الماضي (مارس/ آذار)، لا شكّ أنه لاحظ كيف أعلنت الأطراف السياسية الرئيسية جميعها الفوز. اليسار المنقسم على نفسه بتلويناته المختلفة (الحزب الاشتراكي والشيوعي وفرنسا الأبية والبيئيون) حصد رئاسة بلديات ثمانٍ من أكبر عشر مدن فرنسية، وقد رأى محقاً في الحدث انتصاراً كبيراً، مع تنصيب الحزب الاشتراكي نفسه شيخاً لليسار في البلديات وصاحب العدد الأكبر من رؤساء البلدية يساراً (من بينها باريس ومرسيليا وليل وسترازبورغ ونانت). الحزب الشيوعي بدوره فاز في رئاسة 400 بلدية من بينها واحدة لمدينة كبرى (أي يسكنها أكثر من مئة ألف مواطن ومقيم) وهي نيم (جنوب). بذلك، يكون الحزب الشيوعي ثالث أكبر قوة في البلديات بعد الحزبَين الجمهوري (اليميني) والاشتراكي. أما حزب جان لوك ميلانشون "فرنسا الأبية" فرضي برئاسة بلدية كبرى واحدة أيضاً (روباه) في أقصى الشمال قرب الحدود مع بلجيكا بالإضافة إلى بعض البلديات القليلة لكن بعضها مهم مثل ضاحية سان دونيه الباريسية. في المقابل، استعار اليمين الجمهوري (حزب الجمهوريين) مصطلحات الظفر نفسها، وهو ما زاد عليه اليمين المتطرف (التجمع الوطني اليميني) جرعة من التفخيم بفوزه في رئاسة 62 بلدة ومدينة جميعها صغيرة ومتوسطة وريفية أو شبه ريفية، وأكبرها كاركاسون (جنوب شرق، يسكنها 46 ألف شخص). أما الوسط، ممثلاً بتحالف الرئيس إيمانويل ماكرون وأحزاب أخرى تشبهه، فلم يفز إلّا برئاسة بلديتَين كبيرتَين اثنتَين، بوردو (غرب) ولوهافر (شمال غرب). في العموم، بلغة الأرقام، يحق للجميع فعلاً إعلان النصر: اليمين حصد رئاسة 1267 بلدية، يليه اليسار 829، والوسط 586 واليمين المتطرف 62، من أصل 34 ألفاً و875 بلدة وبلدية. أما في لغة الوزن السياسي للمدن الكبرى، فإنّ اليسار هو الفائز الأول طبعاً، كذلك حاله لناحية عدد الأصوات التي نالها مرشحوه 9.2 ملايين مقابل 8.7 ملايين لليمين، و3.8 ملايين للوسط، و2.5 مليون لليمين الفاشي.
بعد استماحة القارئ عذراً لإغراقه في هذه الأرقام الكثيرة لموضوع قد يبدو هامشياً لدى مقارنته مع مصائب منطقتنا المنكوبة، أمكن تسجيل ملاحظتَين رئيسيتَين: أولهما أنّ إعلان الجميع فوزهم يعود أولاً إلى أنّ انتخابات البلدية 2026 هي الاستحقاق الانتخابي الأخير قبل اختيار رئيس للجمهورية ربيع العام المقبل 2027. وفي البلدان الديمقراطية، تحصل مخاطبة الجمهور عبر الانتخابات والاستفتاءات، فيقول اليسار إنّه الخيار الأول بالنسبة إلى الفرنسيين بما أنّ مرشحيه حصلوا على أعلى عدد من الأصوات، بينما يؤكد اليمين أنه الأكثر شعبيةً؛ لأنّه حصد أكبر عدد من البلديات. ثانياً، قلّما شهدت انتخابات فرنسية محلية (بلدية) هذا المستوى من الاحتقان السياسي عبّرت عنه معارك مذهلة وصل في العديد منها في دورتها الثانية، مرشحان ينتميان إلى النقيضَين، اليسار الراديكالي أكان شيوعياً أم من حزب فرنسا الأبية من جهة، واليمين المتطرف من جهة ثانية. والأهم أنه قلّما عرفت ديمقراطيات عريقة هذا المنسوب من مصادرة الانتصار حتى داخل المعسكر نفسه، وهذا قد يكون خطيراً فعلاً؛ لأنّه سلوك يقلّص من احتمالات التسويات والتوافقات والتحالفات عشية انتخابات رئاسية قد يكون الفاشيون كابوسها الأكبر. واستصعاب تقديم التنازلات وعقد الاتفاقات داخل المعسكر أو بين المختلفين، ميل آخذ في التفاقم فرنسياً منذ وصل من كان يظنّ نفسه "فتى معجزة"، أي إيمانويل ماكرون، ليحقق شعاراً هو مقتل آخر للديمقراطية: تحطيم ثنائية اليمين واليسار بوصفهما ركيزتَين للسياسة الحديثة والديمقراطية في فرنسا التي تبقى عاصمة للديمقراطية وللسياسة الحديثة، رغم كل الضربات التي تلقتها ولا تزال تلك الديمقراطية تتلقاها على رأسها.