أزمة إقليم كشمير الباكستاني: احتجاجات وانتخابات وسط تشكيك

14 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 04:12 (توقيت القدس)
من الانتخابات في مظفر أباد، 2 أغسطس 2026 (سجاد قيوم/فرانس برس)

دخل الشطر الباكستاني من إقليم كشمير المعروف رسمياً باسم آزاد جامو وكشمير، مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، بعدما تحوّلت احتجاجات شعبية قادتها لجنة العمل المشتركة إلى مواجهات دامية مع قوات الأمن أدت إلى مقتل (وإصابة) العشرات، ثم امتدت تداعياتها إلى الانتخابات التشريعية التي أجريت على ثلاث مراحل (المرحلة الأولى في 27 يوليو/تموز الماضي، والثانية في 2 أغسطس/آب الحالي، والثالثة كانت في 10 أغسطس لكن أجّلت عملية الاقتراع حتى 20 الحالي في 7 دوائر من أصل 11 بسبب الوضع السائد) والتي كان يفترض أن تشكل مخرجاً سياسياً للأزمة. اللافت أن الانتخابات بدل أن تنهي حالة التوتر، أصبحت جزءاً من الأزمة، بعد إرجاء التصويت في سبع دوائر، وبعد أن قاطعتها شريحة كبيرة من الكشميريين.

جذور الأزمة في كشمير

ترجع جذور الأزمة القائمة والآخذة في التصعيد، إلى مطالب تراكمت خلال السنوات الماضية، من بينها خفض أسعار الكهرباء والقمح، والاعتراض على امتيازات النخبة السياسية، والمطالبة بإصلاحات في نظام الحكم والتمثيل السياسي. غير أن القضية الأكثر حساسية في الاحتجاجات الحالية والتي دخلت إلى حزمة مطالب اللجنة المشتركة منذ بداية يوليو الماضي، هي المقاعد المخصصة للاجئين من كشمير الخاضعة للإدارة الهندية؛ إذ ترى الحركة الاحتجاجية أن هذه المقاعد تمنح إسلام أباد نفوذاً كبيراً في تشكيل الحكومات المحلية. كما ترى اللجنة التي تقود الحراك الاحتجاجي أن تلك المقاعد تستخدمها الاستخبارات والمؤسسة العسكرية الباكستانية ضد إرادة الشعب الكشميري ولصالحهما. بينما تنفي السلطات الباكستانية هذا الاتهام.

ومنذ التاسع من يوليو الماضي، بدأت الأزمة تتفاقم، ليشهد إقليم كشمير واحدة من أشرس الأزمات في تاريخها وذلك عند إعلان لجنة العمل المشتركة (المظلة لمختلف التنظيمات في كشمير) المسيرة الكبرى نحو مدينة مظفر أباد، مركز الإقليم، في 15 يوليو الماضي، احتجاجاً على إعلان الحكومة أن اللجنة منظمة محظورة. في المقابل أعلنت الحكومة التصدي لها وفرض حظر التجوال في الكثير من المناطق مع تشديد الإجراءات الأمنية تحسباً للحركة الاحتجاجية والمسيرة الكبرى، فوقعت اشتباكات أدت إلى مقتل (وإصابة) العشرات (حسب إعلان اللجنة قتل 30 من أنصار اللجنة وقادتها).

سردار كامران: بُذلت مساعٍ على مدى الأسابيع الماضية لحل الأزمة ولكنها فشلت بسبب إصرار كل طرف على موقفه

وقال الإعلامي الباكستاني سردار كامران، لـ"العربي الجديد"، إن تلك الحركة الاحتجاجية أدخلت كشمير في أزمة غير مسبوقة ومخيفة، فاللجنة كانت في البداية تطلب الحصول على حقوق الكشميريين مثل إنهاء أزمة الكهرباء والقمح والسكر، وتحسين حالة المستشفيات والجامعات والمعاهد والمدارس، ولكن الحكومة تعاملت معها بالقوة وعدم تلبية تلك المطالب، ما جعل الأمور تتجه نحو التصعيد، وبعد ذلك جاءت مطالب أخرى منها إلغاء المقاعد الخاصة للاجئين من الشطر الهندي من كشمير، إلى أن وصل الأمر إلى الصدام والنفق المسدود. وحول مساعي الحل، لفت إلى أن هناك مساعي بذلت على مدى الأسابيع الماضية لحل الأزمة ووقف حمام الدم، ولكن تلك المفاوضات فشلت بسبب إصرار كل طرف على موقفه، وجاء إعلان الحكومة بجعل اللجنة منظمة محظورة ليعقّد القضية أكثر.

اتهامات بتدخّل الهند

من جهتها، تتهم الحكومة الباكستانية اللجنة بأنها مموّلة من قبل الهند وأن الاستخبارات الهندية وراء كل تلك الأزمة، وصرح بذلك أكثر من مسؤول، منهم وزير الدفاع خواجة أصف ومستشار رئيس الوزراء وزير الداخلية السابق رانا ثناء الله خان. وأكد الأخير، في تصريح له في الخامس من الشهر الحالي، أن لا أحد يمكنه أن ينفي وجود تدخّل هندي في ما يجري في كشمير، في حين وصف وزير الدفاع قيادة اللجنة بأنهم أعداء باكستان ويلعبون بأياد أجنبية، تحديداً الهند.

وفي تعليق له على ذلك، قال المحلل السياسي الباكستاني ثمر عباس، لـ"العربي الجديد"، إن الزعم بأن المحتجين تحركهم أيادٍ هندية أو أجنبية قول غير صحيح، في حين أن بعض وزراء الحكومة يقولون إن المحتجين مواطنون يحبون البلاد، وهو صحيح، مضيفاً: "المسألة الأساسية هي مسألة حصول على الحقوق، الكشميريون يريدون الحصول على الحقوق. الاحتجاجات الحالية جاءت من أجل هذا وليس من أجل أجندة هندية أو أجنبية". وتابع: "بعد كل هذا التوتر لا بد من إجراء المفاوضات، فهي الحل الوحيد. كما لا بد أن يحصل الكشميريون على حقوقهم".

نزاع حول نتائج الانتخابات

على المستوى الانتخابي، يبدو أن حزب الرابطة الإسلامية جناح نواز شريف حاز الأغلبية بعد أن حصل على 24 مقعداً من أصل 34 مقعداً جرى حسمها في المرحلتين الأوليين، لكن هذا التفوق لا يعني أن الحزب يدخل الحكومة في ظروف سياسية مستقرة؛ إذ تواجه العملية الانتخابية اعتراضات من قوى سياسية وحركة شعبية واسعة. فحزب الشعب الباكستاني، الذي يشارك حزب الرابطة الإسلامية الحكومة الائتلافية في إسلام أباد، اتهم منافسه في آزاد كشمير بالتلاعب الانتخابي، بينما قاطع مرشحو حركة الإنصاف الباكستانية الانتخابات احتجاجاً على ما وصفوه بالتزوير. وهنا تظهر المعضلة الأساسية وهي أن الحكومة المقبلة قد تتمتع بشرعية قانونية إذا اكتملت الانتخابات وأُعلنت النتائج رسمياً (تكتمل المرحلة الثالثة من الانتخابات في 20 الحالي إذا سمحت الظروف بذلك وفق إعلان لجنة الانتخابات) لكنها قد تواجه مشكلة مختلفة تتمثل في قبولها سياسياً وشعبياً.

وترفض الحركة الاحتجاجية جزءاً أساسياً من قواعد النظام الانتخابي، إلى جانب مقاطعة حركة الإنصاف، واتهامات حزب الشعب بالتزوير، ما يجعل مهمة الحكومة المقبلة في استعادة الثقة أصعب بكثير. كما أن تأجيل الانتخابات في سبع دوائر بسبب الوضع الأمني يضيف بعداً آخر إلى الأزمة؛ إذ يصبح السؤال ليس فقط من فاز، وإنما هل جرت العملية الانتخابية في بيئة تسمح لجميع الأطراف بالمشاركة بحرية وأمان؟ وهذا السؤال سيكون مهماً في تحديد مدى قدرة الحكومة الجديدة على تجاوز حالة عدم الثقة.

أيضاً تبرز قضية المقاعد المخصصة للاجئين من كشمير الخاضعة للإدارة الهندية في جوهر الأزمة، فالحركة الاحتجاجية تعتبرها إحدى أدوات التأثير السياسي الخارجي في القرار المحلي، ولذلك فإن تشكيل حكومة جديدة من خلال النظام نفسه الذي تطالب الحركة بتغييره لن ينهي بالضرورة الأزمة.

محمد نور عباسي: لا يمكن حل أزمة كشمير من دون الرضوخ إلى إرادة الشعب

وهكذا، لم تعد أزمة آزاد كشمير مجرد احتجاجات على أسعار أو امتيازات أو ترتيبات انتخابية؛ بل أصبحت أزمة ثقة بين قطاعات من المجتمع والمؤسسات السياسية والأمنية. فالسلطات تمكنت من دفع العملية الانتخابية إلى الأمام في أجزاء من المنطقة، لكن استمرار الاحتجاجات وتأجيل الاقتراع في مناطق أخرى يعني أن الانتخابات لم تستطع حتى الآن أن تقدّم تسوية مقنعة للأزمة.

وعن ذلك، قال المحلل السياسي محمد نور عباسي، لـ"العربي الجديد"، إن "الانتخابات التي أجريت لا قبول بها من الكشميريين، فصناديق الاقتراع ملئت داخل المقار الحكومية، ففي بعض الدوائر الانتخابية لم يحضر سوى عدد محدود من الناخبين ونحن شهود على ذلك، لكن الحكومة أعلنت أن المشاركة كانت في تلك الدوائر بنسبة 90%". وأضاف: "تسعى الحكومة لأن تذر الرماد في أعين الكشميريين، والأمور بيد الجيش، وهو يريد استخدام القوة ولكن القوة لا تنفع، الجيش وقوات الأمن لا يمكنها البقاء في جبال كشمير وأوديتها دون تعاون الشعب الكشميري، ولذلك لا يمكن حل أزمة كشمير من دون الرضوخ إلى إرادة الشعب".

دلالات