أزمة حكم في غرينلاند تقلق السياسة الدنماركية في وقت حساس

16 مارس 2026   |  آخر تحديث: 20:33 (توقيت القدس)
الدنمارك تتحضر للانتخابات، 14 مارس 2026 (ناصر السهلي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الأزمة السياسية في غرينلاند نشأت بسبب انقسام داخل حزب سيوموت بعد ترشح وزيرتين من المعارضة للانتخابات الدنماركية، مما أدى إلى انسحاب الحزب من الحكومة واستقالة وزيرة الشؤون الخارجية.

- الأزمة تمتد إلى السياسة الدنماركية، حيث يمكن أن تؤثر نتائج الانتخابات البرلمانية على تشكيل الحكومة في كوبنهاغن، وتتيح تحالفات جديدة قد تغير موازين القوى في الدنمارك وجزر فارو.

- الصراع الدولي في القطب الشمالي يؤثر على غرينلاند، حيث يضعف التشرذم الحكومي موقف الجزيرة في المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن الموارد والسيطرة الاستراتيجية.

تواجه حكومة غرينلاند أزمة سياسية عميقة تهدد توازن القوى في الدنمارك، في وقت تشهد الجزيرة صراعاً محتدماً مع الولايات المتحدة حول النفوذ في القطب الشمالي الاستراتيجي. وتأتي هذه الأزمة في توقيت بالغ الحساسية، مع قرب الانتخابات العامة في الدنمارك المقررة في 24 مارس/آذار، إذ قد تتحول التوترات الداخلية في نوك إلى عامل حاسم في توزيع المقاعد البرلمانية بين كتلتي اليمين ويسار والوسط.

خلفية الأزمة

نشأت الأزمة بعد انقسام داخل حزب سيوموت (يسار وسط اجتماعي ديمقراطي)، أكبر الأحزاب التقليدية في غرينلاند، والذي شكل قلب السلطة لعقود. السبب المباشر كان ترشح وزيرتين من أحزاب المعارضة، هما ديموكراتيت (ليبرالي اجتماعي) وإينويت أتاقيتيت (يساري)، للانتخابات البرلمانية الدنماركية، وهو ما اعتبرته قيادة سيوموت تحدياً مباشراً للسلطة في نوك. ورأى الحزب أن الوزيرتين كان ينبغي عليهما طلب إجازة عن مهامهما الحكومية أثناء الحملة الانتخابية، وهو ما رفضه رئيس الحكومة ينس فريدريك نيلسن، ما زاد من حدة الأزمة.

تفكك الحكومة وانعكاسات سياسية

أعلن حزب سيوموت انسحابه من الحكومة، ما أدى إلى استقالة وزيرة الشؤون الخارجية والعضو المؤسس في المجلس القطبي الشمالي فيفيان موتزفيلدت، والتي كانت تمثل الخط البراغماتي الدبلوماسي مع واشنطن. في المقابل، برزت أليكا هاموند بوصفها زعيمة جديدة لحزب سيوموت، واختارت الأخيرة تعزيز هوية الحزب الوطنية أكثر من ارتباطه بيسار الوسط الدنماركي، ومصالح شعب الجزيرة على حساب التوافق الحكومي، ما أثار انقسامات عميقة وأضعف وحدة الحكومة.

وبدأ الانقسام كصراع شخصي بين هاموند وموتزفيلدت، ثم تحول إلى جدل حول هوية الحزب وسط ضغط من حزب المعارضة ناليراك (وطني استقلالي) المطالب بمزيد من الاستقلالية. أدى هذا الخلاف إلى انسحاب سيوموت من الائتلاف الحكومي، ما أزال أولوية الإشارة إلى الوحدة الوطنية، التي كانت تشكل رسالة للعالم حول استعداد غرينلاند لمواجهة ضغوط القوى الكبرى، وفي المقدمة واشنطن التي تبدي رغبة بالسيطرة على الجزيرة.

وتتجلى الأزمة أيضا في صراع داخلي حول هوية الحزب بعد أسوأ نتائجه في الانتخابات الأخيرة قبل نحو عام، حيث تحولت المواجهة إلى خيار بين العودة إلى الجذور الوطنية أو الحفاظ على خط براغماتي وحكومي. كما أدى تركيز الحزب على السياسة الدنماركية إلى اتهامات بإعطاء الأولوية لمقاعد برلمان كوبنهاغن (فولكتينغ) على حساب مصالح المواطنين المحليين، ما زاد الاستياء الداخلي في قواعد يسار الوسط.

تداعيات الأزمة

لا تقتصر تداعيات الأزمة على السياسة المحلية في نوك، بل تمتد إلى السياسة الدنماركية والإقليمية. فالمقعدان البرلمانيان لغرينلاند قد يحسمان تشكيل الحكومة في كوبنهاغن، خصوصاً إذا تقاربت نتائج الانتخابات في الدنمارك بين كتلتي "الأزرق" و"الأحمر". وأي ضعف في حزب سيوموت قد يقلل فرص الكتلة الحمراء في الفوز بالمقاعد، ويتيح تحالفات جديدة قد تغيّر موازين القوى، وقد يصبح الانقسام عاملاً حاسماً في تحديد من سيصبح رئيس حكومة الدنمارك المقبل، كما قد يؤثر على توازن القوى في جزر فارو.

على المستوى الإقليمي، يضعف التشرذم داخل الحكومة الغرينلاندية موقف الجزيرة في المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن الموارد والسيطرة الاستراتيجية في القطب الشمالي، ويزيد المخاطر السياسية التي تواجه الدنمارك. داخلياً، حول الانقسام السياسة المحلية إلى صراع بين التكتلات الحزبية، مهدداً قدرة الحكومة على إدارة القضايا الحيوية مثل الاقتصاد والطاقة والصيد، وعلى تقديم سياسات واضحة للمواطنين.

وحذرت فيفيان موتزفيلدت من أن "الوقت ليس مناسباً لإظهار الألوان الحزبية وخلق الانقسامات"، مشيرة إلى أن الأزمة قد تضطر الحكومة للبدء من نقطة الصفر في المفاوضات مع واشنطن، ما قد يضعف موقف الجزيرة الاستراتيجي ويزيد من تأثير الضغط الأميركي على موارد واستثمارات المنطقة.

وتعكس الأزمة كيف أصبح صراع القوى الكبرى في القطب الشمالي مرتبطاً بالسياسة الداخلية للدول الصغيرة. وفي وقت تتنافس الولايات المتحدة وروسيا والصين على النفوذ في المنطقة، قد تحدد القرارات السياسية في نوك شكل الحكومة الدنماركية المقبلة. وهو ما يظهر أن أزمة غرينلاند ليست مجرد صراع حزبي محلي، بل نقطة مفصلية قد تعيد رسم خريطة التحالفات السياسية، وتؤثر مباشرة على قدرة الدنمارك على مواجهة التحديات الدولية في القطب الشمالي.