ألمانيا ودورها داخل حلف شمال الأطلسي... انتهازية ترامب تكرس "ناتو أوروبياً"
- يصف الباحث سيمون كوتسنر علاقة ترامب بالناتو بأنها انتهازية، مما يثير مخاوف من تقليص الالتزامات الأميركية بوتيرة أسرع، ويضعف قدرة أوروبا على مواجهة التهديدات الروسية.
- قدمت ألمانيا استراتيجية عسكرية جديدة لزيادة عدد القوات المسلحة وتحسين جاهزيتها، وتعزيز التعاون الدفاعي مع دول الناتو والاتحاد الأوروبي، مما يعزز دورها الريادي في الحلف.
يواجه حلف شمال الأطلسي
(الناتو) تحولاً جذرياً مع تقليص الولايات المتحدة التزاماتها العسكرية في أوروبا، بمعدل الثلث تقريباً. وتطالب الإدارة الأميركية وبشكل متزايد برلين، باعتبارها صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا، بتولي دور قيادي في الحلف توازياً مع إعلان واشنطن عن نيتها سحب أعداد من جنودها من ألمانيا. يفرض ذلك على الأخيرة المزيد من التحديات في ظل التوترات القائمة في الشرق الأوسط والحرب الروسية ضد أوكرانيا. فماذا عن انتهازية الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدول الناتو والسبل لإرساء الثوابت في الحلف؟ وما المخططات الاستراتيجية التي تسخرها برلين من خلال قواتها العسكرية المتنامية واستثمارها في البوندسفير (القوات المسلحة الألمانية) لخدمة أمن الناتو؟انتهازية ترامب
بحسب الباحث في الشؤون السياسية والأمنية الأوروبية سيمون كوتسنر، فإن المستشار الألماني فريدريش ميرز ونظراءه الأوروبيين قدموا، خلال قمة الناتو الأخيرة التي عقدت في أنقرة يومي السابع والثامن من يوليو/ تموز الماضي، وبالأرقام، "توضيحات لترامب عن الزيادات الكبيرة في إنفاق دولهم الدفاعي، وكشفوا عن عقود أسلحة". وأضاف لـ"العربي الجديد"، أنه رغم ذلك "لم تتبدد المخاوف من احتمال تقليص الولايات المتحدة لالتزاماتها بوتيرة أسرع، من التأثير على قدرة أوروبا على سد الثغرات"، موضحاً أنها "قد تجد نفسها في حلف الناتو أضعف، بينما يتزايد التهديد الروسي".
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
سيمون كوتسنر: ترامب تربطه علاقة انتهازية مع الناتو وينظر إلى التحالف الدفاعي وسيلةً لتحقيق مصالح أميركية
وشدد كوتسنر على أنه في ظل هذه المراوحة المكلفة مع ترامب هناك أمر واحد مؤكد، وهو أن جدوى محاولات الاسترضاء الأوروبية تتضاءل مع كل محاولة. واعتبر أن ترامب تربطه علاقة انتهازية مع الناتو، أي أنه ينظر إلى التحالف الدفاعي بوصفه وسيلة لتحقيق مصالح أميركية، مضيفاً أن عقود التسلح ستصب في نهاية المطاف في خزينة واشنطن. ومن المستبعد، وفق كوتسنر، أن تعود الثقة بين الشركاء عبر الأطلسي، رغم أنها أساسية للردع، لافتاً إلى أن الاعتماد على الولايات المتحدة في عهد ترامب، على الأقل، للعب دور الحامي للسياسة الأمنية في الناتو، يعد استهتاراً. وفي رأيه فإن ليس أمام الدول الأوروبية في الحلف خيار سوى كسب الوقت واستغلاله لإعادة بناء بنيتهم الأمنية، مشيراً إلى أن فشلها على مدى العقود الماضية، كان خطأها.
وفق ما تقدم، بيّنت قراءات سياسية أن ألمانيا مهتمة بتحمل المزيد من المسؤوليات بقدرات ملموسة مع توجهات ترامب لتقليص الدعم لحلف الناتو الضامن على مدى عقود للسلام والأمن في أوروبا. ولذلك حققت الحكومة الألمانية بزعامة ميرز زيادات كبيرة في الإنفاق والقدرات العسكرية وإنتاج الأسلحة، إلى جانب تعزيز قواتها من حيث القدرات والتدريب والتسليح، بالإضافة إلى مضاعفة ميزانيتها الدفاعية. كل ذلك قد لا يثير إعجاب ترامب لأنه لا يتأثر عادة بالحقائق بسهولة.
استراتيجية متفوقة
في الوقت الذي يتولى فيه شركاء الناتو الأوروبيون وتحت شعار جذاب "أوروبا أقوى من أجل ناتو أقوى" حماية القارة، برز التدريب العسكري في ليتوانيا، الدولة صاحبة الموقع الاستراتيجي المطلة على البلطيق قبل أيام ضمن مناورة "درع الحرية 2026". وشارك في التدريب آلاف من الجنود الألمان بهدف اختبار جاهزيتهم القتالية ضمن سيناريوهات واقعية، حيث اختبرت فيها مفاهيم حربية جديدة كلياً. وشملت التدريبات استخدام أنظمة الليزر والطائرات المسيّرة لاعتراض هجوم على أراضي الناتو، إلى جانب مناورات وتدريبات وسط التضاريس الوعرة وتحديات الطبيعة الصعبة بمشاركة مركبات المشاة القتالية والمركبات المجنزرة الثقيلة.
في خضم هذه التطلعات المستقبلية، قدمت الحكومة الألمانية أخيراً الاستراتيجية العسكرية التي تُعنى بتحديد كيفية خوض الجيش الألماني للحروب وحماية البلاد والحلفاء والاستجابة للتهديدات، لتتكيف هذه الاستراتيجية مع القدرات والهياكل وقوة احتياط كفؤة سريعة التعبئة والاندماج ضمن القوات العاملة في جميع المهام، وزيادة عديد الجيش ليصبح أقوى جيش نظامي في أوروبا. ومن المقرر، بحسب وزارة الدفاع الألمانية، أن يرتفع قوام القوات المسلحة الألمانية من 186 ألف جندي إلى 260 ألفاً على الأقل في الخدمة الفعلية بحلول منتصف العقد الثالث من القرن الحالي (2035). وخلال الفترة نفسها يخطَط لزيادة موازية في قوات الاحتياط من حوالي 70 ألف جندي إلى 200 ألف على الأقل.
واستناداً إلى ملامح قدرات الجيش الألماني، رسمت الاستراتيجية المذكورة خطة للتنفيذ على ثلاث مراحل. المرحلة الأولى تمتد حتى العام 2029، حيث ستتم بالدرجة الأولى زيادة القدرات الدفاعية وجاهزية الأفراد، فيما المرحلة الثانية التي تستمر حتى العام 2035 ستشمل زيادة كبيرة في القدرات البرية والبحرية والجوية والفضاء الإلكتروني بما يتماشى مع أهداف حلف شمال الأطلسي. وفي نهاية هاتين المرحلتين يتمثل الهدف بامتلاك ما لا يقل عن 460 ألف جندي جاهز للقتال بينهم 260 ألفا في الخدمة الفعلية و200 ألف جندي احتياط. أما في المرحلة الثالثة طويلة الأمد التي تمتد حتى العام 2039، فسيتم التركيز خلالها على بناء قوات مسلحة متفوقة تقنياً. كل ذلك ليكون البوندسفير قادراً على أداء مهمته الأساسية والوفاء بالتزاماته تجاه حلف الناتو.
كذلك فقد سجلت ألمانيا رقماً قياسياً في مساهمتها في الإنفاق الدفاعي لحلف الناتو، وفق بيانات الحلف، وبمبلغ قدره 124.7 مليار يورو. وفي غضون أربع سنوات، منذ العام 2022 ضاعفت برلين استثماراتها الدفاعية، ومن المتوقع أن تحقق هدف 5% المتفق عليه في لاهاي قبل الموعد المحدد بكثير. يُذكر أن دول الناتو خلال قمة الحلف التي عقدت في لاهاي العام الماضي، تعهدت بإنفاق 5% من إجمالي ناتجها المحلي على الدفاع والأمن بحلول عام 2035. وأشار الحلف حينها إلى أنه "تحقيقاً لهذه الغاية، كثّف الحلفاء الأوروبيون وكندا جهودهم، حيث رفعوا إجمالي إنفاقهم الدفاعي بنسبة تقارب 20% في عام 2025 مقارنة بعام 2024. علماً أنه منذ عودته إلى البيت الأبيض مطلع 2025، كرر ترامب مطالبته دول الحلف بإنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع (هدف الإنفاق السابق كان 2%).
ما دور ألمانيا داخل حلف الناتو؟
وحول ما تحقق خلال قمة الناتو في أنقرة، رأى الباحث في قضايا الأمن والدفاع الأوروبي في جامعة أولدنبورغ، رالف بريدنبرغ، أن الهدف الرئيسي للأوروبيين (في الحلف) كان إرساء الثوابت، وتجنب أي أزمة دبلوماسية حتى لا يثار أي شك حول وحدة الدول الأعضاء الـ32. وأشار في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن ترامب شن هجوماً لاذعاً على الحلفاء قبل انعقاد القمة، ووصف عبر منصته للتواصل الاجتماعي تروث سوشيال مساهماتهم في التحالف الدفاعي بأنها "سخيفة".
رالف بريدنبرغ: الأهم لبرلين كان تمسك الدول الأعضاء بشكل واضح لا لبس فيه بالتزامها بالمادة "5" من معاهدة الناتو
وفي رد على سؤال حول مكتسبات برلين التي تسعى لأداء دور ريادي داخل حلف شمال الأطلسي، قال بريدنبرغ إن الأهم لبرلين كان تمسك الدول الأعضاء بشكل واضح لا لبس فيه بالتزامها بالمادة "5" من معاهدة الناتو (أي هجوم على أحد أعضاء الحلف يشكل هجوما على جميع الأعضاء الآخرين). وأضاف أن من المهم لألمانيا تعزيز التعاون في مجال الصناعات الدفاعية عبر حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، وفي مجال أسلحة المواجهة في الدفاع الجوي والذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، لا الحصر. وذكر بريدنبرغ، أن ألمانيا والولايات المتحدة توصلتا على هامش اجتماعات الناتو لاتفاق بشأن شراء صواريخ توماهوك، بعدما ألغى ترامب نشرها مجاناً في ألمانيا. ولفت إلى أن مدى هذه الصواريخ يبلغ 2500 كيلومتر ويمكن لها الوصول إلى موسكو، كما تتميز بقدرة أكبر على المناورة من الصواريخ الباليستية، فيما يصعب رصدها برادارات الدفاع الجوي، بما يسد ثغرة استراتيجية في المجال الدفاعي.
من زاوية أخرى، أُعلن خلال الاجتماعات عن توقيع عملية شراء مشتركة بين كندا والنرويج لغواصات ألمانية، إذ لفت بريدنبرغ، إلى أن المشروع سيزيد عدد الغواصات إلى 24 غواصة في منطقة شمال الأطلسي. وأضاف أن ألمانيا ستنسق التدريب وأعمال الصيانة للغواصات، وإعداد قوات بحرية متكاملة، ما "سيعزز أسس الحرية والأمن والازدهار في جميع أنحاء المنطقة (الأطلسي) للعقود المقبلة". وفي رأيه فإن هذا كله؛ في وقت تحاول روسيا اختبار عزيمة الأوروبيين من خلال الهجمات الإلكترونية والتخريب والتجسس والتضليل الموجه. عدا ذلك، وبمبادرة من ألمانيا وبالتنسيق مع الصناديق الأوروبية، كان هناك التزام، خلال القمة الأخيرة، بقيمة 140 مليار يورو تجاه أوكرانيا عن العامين 2026 و2027، لأنها، وفق بريدنبرغ، "لا تدافع عن حريتها فقط ضد العدوان الروسي، بل عن الأوروبيين جميعاً، ولكي يدرك الكرملين أن روسيا لن تحقق أهدافها الحربية".
انتقادات للتمويل بالدين
وشدد ميرز خلال قمة الناتو في أنقرة على أن ألمانيا تسعى لبناء حلف شمال أطلسي أكثر أوروبيةً، كي يبقى الحلف عابراً للأطلسي، وقبل كل شيء موحداً. وقال: "بصفتنا أوروبيين نتحمل المزيد من المسؤولية لجعل الحلف أقوى وأكثر عدلاً من حيث تقاسم الأعباء، وللتحرر من التبعيات أحادية الجانب، وهذا يخدم أمننا جميعاً ويخلق فرصاً جديدة للتعاون عبر الأطلسي والأوروبي". في المقابل برزت انتقادات للحكومة الألمانية مع إعادة توزيع الأعباء المالية داخل حلف الناتو، لأن غالبية الإنفاق المالي يموّل بالديون. كذلك كانت هناك تحذيرات شديدة اللهجة من محللين اقتصاديين، ذكّروا بتراجع النمو في ألمانيا وبزيادة الأعباء في ظل الحرب الروسية على أوكرانيا منذ خمس سنوات، إلى جانب الأزمات التي تعيشها أوروبا بفعل التضخم والمنافسة مع الصين.
عاد ميرز ودافع يوم التاسع من يوليو الماضي أمام البوندستاغ (البرلمان الألماني) عن الإنفاق الدفاعي المرتفع، بوجه الانتقادات. وقال إن "أفضل نظام للضمان الاجتماعي (هو) عديم الفائدة إن لم ننعم بالحرية والسلام، ولهذا السبب تعد ضمانتهما في أوروبا أولوية لنا في هذا الائتلاف الحكومي الحاكم". ووصف هذا الائتلاف بأنه "وحده القادر على تقديم الحلول الموثوقة في ظل الوضع الصعب الراهن"، مشدداً على أن "ألمانيا دولة قوية اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً". في خضم ذلك، يرى مراقبون أن الدول الأوروبية تخوض أزمة وجودية، وليس أمام زعمائها خيار سوى اتباع صيغتهم التي تنص على أنه يجب أن يصبح الناتو أكثر أوروبية. ويجب أن تمضي ألمانيا بسعيها لتقود الحلف نحو تحول سريع رغم التحديات، وليس فقط لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يرسل أي إشارات تدل على نيته إنهاء الحرب في أوكرانيا، بل لأن ترامب يثير قلقاً بالغاً بين الحلفاء مرة أخرى.