إسرائيل توسّع عنفها البيئي ضد الفلسطينيين: النفايات سلاحاً استعمارياً
استمع إلى الملخص
- تُستخدم النفايات كسلاح لتدمير البيئة الفلسطينية، حيث تشكل النفايات الإسرائيلية 90% من المكبات العشوائية في الضفة الغربية، مما يؤدي إلى تلوث بيئي وأضرار صحية جسيمة.
- تُطبق إسرائيل قوانين بيئية صارمة داخل حدودها، بينما تُدار النفايات في المناطق الفلسطينية بأوامر عسكرية، مما يسمح بنقل العمليات الملوثة إلى الضفة الغربية، كاشفاً عن الطبيعة العنصرية للمشروع الاستعماري.
تخطط سلطات الاحتلال لإنشاء مصنع ضخم لحرق النفايات في بلدة قلنديا
المشروع يستولي على 150 دونماً من الأراضي الزراعية الفلسطينية
في خطوة جديدة تكشف عن الأبعاد البيئية للمشروع الاستعماري الإسرائيلي، تخطط سلطات الاحتلال لإنشاء مصنع ضخم لحرق النفايات في بلدة قلنديا شمالي القدس المحتلة، في مشروع يتجاوز كونه مجرد منشأة لمعالجة النفايات ليصبح أداة جديدة في ترسانة سياسات إسرائيل الاستعمارية التي تستهدف الوجود الفلسطيني.
المشروع الذي صادقت عليه الحكومة الإسرائيلية في مايو/أيار الماضي، يأتي ضمن خطة أوسع لإنشاء خمسة مصانع مشابهة في السنوات المقبلة، ويتضمن تعديلاً جذرياً لمسار جدار الفصل العنصري من خلال تفكيك جزء منه وإعادة بنائه ليصبح أقرب إلى الحدود البلدية للقدس، ما يعني الاستيلاء على نحو 150 دونماً من الأراضي الزراعية الفلسطينية، وهدم مبنيين يسكنهما عشرات الفلسطينيين. اللافت في هذا المشروع أن تمويله سيتم من صندوق النظافة التابع لوزارة حماية البيئة الإسرائيلية، في مفارقة تكشف كيف تُستخدم مؤسسات "حماية البيئة" الإسرائيلية أدوات للعنف البيئي ضد الفلسطينيين، حيث سيتكفل هذا الصندوق بتمويل عمليات تفكيك الجدار، وتغيير مساره لخدمة مشروع سيؤدي حتماً إلى تدمير البيئة الفلسطينية المحيطة.
النفايات سلاحاً استعمارياً
لفهم ما يجري، يجب العودة إلى السياق العام لسياسة إلقاء النفايات الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتي تحولت على مدار العقود الماضية إلى سلاح منهجي يُستخدم لتدمير البيئة الفلسطينية وإجبار السكان على الرحيل. وتعمل هذه السياسة عبر مسارين متوازيين: الأول رسمي من خلال منشآت ضخمة مرخصة، مثل مصنع "كومبوست أور" في غور الأردن الذي يُعد أكبر منشأة لمعالجة الحمأة (طريقة لفصل المواد الصلبة عن مياه الصرف الصحي) في إسرائيل، ويستقبل أكثر من 225 ألف طن سنوياً من نفايات الصرف الصحي من 25 منشأة إسرائيلية، ومصنع "EMS" في المنطقة الصناعية بشيلو الذي يحتكر معالجة النفايات الإلكترونية والمعدنية، ومصنع "Green Oil" غرب أرييل الذي يعالج 5000 طن من نفايات الزيوت سنوياً. والثاني غير رسمي، عبر ما يقارب 70 مكب نفايات عشوائيا منتشرا في أنحاء الضفة، تستقبل مجتمعة عشرات الشاحنات يومياً، حيث تشكل النفايات الإسرائيلية 90% من إجمالي محتوياتها، بينما لا تتجاوز النفايات الفلسطينية 10%. وتشير البيانات إلى أن معظم نفايات المستوطنات يتم التخلص منها في الأراضي الفلسطينية، سواء عبر المنشآت الرسمية أو المكبات العشوائية، دون أي اعتبار للقوانين البيئية أو حقوق السكان المحليين.
تشكل النفايات الإسرائيلية 90% من إجمالي محتويات المكبات العشوائية في الضفة
الإدارة المدنية الإسرائيلية اعترفت بأن هناك ارتفاعاً بنسبة 200% في عدد الشاحنات التي تنقل نفايات المصانع الإسرائيلية إلى الضفة الغربية بين 2016 و2020، وهو اعتراف جزئي لا يكشف الحجم الحقيقي للكارثة. وتتنوع النفايات بين مخلفات خطرة تُعالج في المنشآت الرسمية مثل الحمأة، والنفايات الإلكترونية والكيميائية التي تتطلب معالجة خاصة، وأخرى يتم إلقاؤها عشوائياً، مثل مخلفات المستشفيات ومواد البناء والنفايات المنزلية ومواد كيميائية مجهولة المصدر.
شبكات منظمة لتدمير البيئة الفلسطينية
تعمل شبكات نقل النفايات الإسرائيلية إلى الضفة الغربية وفق آليات متعددة ومعقدة تكشف عن منظومة متكاملة من التواطؤ المؤسسي والاستغلال الاقتصادي. وتتنوع طرق النقل بين العمليات "الرسمية" التي تتم عبر شركات مرخصة تنقل النفايات من المستوطنات والمدن الإسرائيلية إلى مكبات معلنة في الضفة الغربية، وبين العمليات "غير الرسمية" التي تشكل الجزء الأكبر من هذه الظاهرة.
في الحالة الأولى، تحصل الشركات الإسرائيلية على تراخيص من الإدارة المدنية لنقل نفاياتها، خاصة الصناعية والطبية، إلى منشآت معالجة في الضفة الغربية. أما في الحالة الثانية، فتتم العمليات من خلال شبكات غير رسمية، حيث يتعاقد أصحاب المصانع الإسرائيلية مباشرة مع سائقين لنقل نفاياتهم إلى أراضٍ داخل الضفة الغربية، في كثير من الأحيان بشكل عشوائي في المناطق المفتوحة ليلاً دون علم السكان. كما تستغل المصانع الإسرائيلية في المستوطنات الوضع الاقتصادي الصعب للفلسطينيين، فتبيعهم مخلفات الأجهزة الإلكترونية والكهربائية بأسعار رخيصة، ليقوم هؤلاء بحرقها لاستخلاص المعادن الثمينة منها، ما يضاعف من التلوث البيئي والأضرار الصحية.
الجانب الأخطر في هذه المنظومة يتمثل في غياب الرقابة المتعمد على شاحنات النفايات التي تعبر من إسرائيل إلى الضفة الغربية، حيث أكد سائقون لهذه الشاحنات، في حديثهم مع "العربي الجديد"، أنهم لا يخضعون لأي تفتيش سوى الفحص الأمني الروتيني، ما يعني أن السلطات الإسرائيلية تغض الطرف عمداً عن هذه العمليات. تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي اعترف بأن وزارة حماية البيئة ووزارة النقل لا تقومان بأي مراقبة على ناقلات المواد الخطرة، ما يزيد من مخاطر الحوادث البيئية والتسربات. وتشمل النفايات المنقولة أنواعاً شديدة الخطورة، مثل مخلفات المستشفيات التي قد تحتوي على مواد مُعدية وأدوات طبية ملوثة، ونفايات المصانع الكيميائية التي تحتوي على معادن ثقيلة ومواد سامة، ومخلفات مصانع الإلكترونيات التي تحتوي على مواد مشعة وسموم خطيرة.
كيف تُعلق إسرائيل القوانين البيئية في الضفة
تكشف المقارنة بين القوانين البيئية المطبقة داخل إسرائيل وتلك المطبقة في الضفة الغربية عن نظام تمييزي صارخ يحول الأراضي الفلسطينية إلى منطقة حرة من القيود البيئية. أخطر مظاهر هذا التمييز هو الاستثناء الصريح لقانونين أساسيين من التطبيق في الضفة: قانون "الهواء النقي" وقانون "الحماية البيئية" الإسرائيليين، وهما القانونان اللذان ينظمان بصرامة عمليات نقل النفايات الضارة وانبعاثات المصانع داخل إسرائيل. هذان القانونان يُلزمان المنشآت الصناعية ومرافق معالجة النفايات بالحصول على تصاريح مفصلة، ونشر تقارير دورية عن الانبعاثات، وإجراء فحوصات بيئية منتظمة، والخضوع لعقوبات صارمة في حال المخالفة. لكن بحكم "الأوامر العسكرية" التي تحكم الضفة الغربية، تم استثناء هذين القانونين من التطبيق، ما يعني أن المصانع ومنشآت معالجة النفايات الإسرائيلية العاملة في الضفة تعمل في فراغ قانوني كامل فيما يتعلق بمعايير جودة الهواء والحماية البيئية. هذا الاستثناء ليس عرضياً، بل متعمد، حيث يسمح للمصانع الإسرائيلية بنقل عملياتها الأكثر تلويثاً إلى الضفة الغربية هرباً من التكاليف والقيود المفروضة داخل إسرائيل على عملية إعادة التدوير.
أنشأت إسرائيل نظاماً قانونياً مزدوجاً للتعامل مع القضايا البيئية في الضفة الغربية
التطبيق العملي لهذا الاستثناء القانوني يخلق واقعاً كارثياً للفلسطينيين. فبينما يحق للإسرائيلي الاطلاع على تقارير مفصلة عن نوعية الهواء في منطقته وطبيعة الانبعاثات من المصانع القريبة، لا يملك الفلسطيني أي حق قانوني في الحصول على معلومات عن المنشآت الإسرائيلية المحيطة به. منشآت مثل مصنع معالجة الحمأة في غور الأردن، الذي يستقبل أكثر من 225 ألف طن سنوياً، أو مصنع معالجة النفايات الإلكترونية في شيلو، تعمل دون أي إلزام بنشر بيانات عن الملوثات التي تطلقها أو تأثيراتها على المياه الجوفية والتربة. الأدلة على خطورة هذا الوضع واضحة: تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي اعترف بأن غياب تطبيق هذه القوانين في الضفة الغربية يخلق "مخاطر صحية عامة شديدة وتلوث بيئي واسع النطاق"، لكن هذا الاعتراف لم يؤدِ إلى أي تغيير في السياسة، ما يؤكد أن تعليق القوانين البيئية في الضفة ليس إهمالاً بل سياسة ممنهجة لتحويلها إلى "منطقة استثناء" دائمة.
البيئة ساحةً صراع
تمثل السياسات البيئية الإسرائيلية في الضفة الغربية تناقضاً صارخاً يكشف عن الطبيعة العنصرية للمشروع الاستعماري. ففي الوقت الذي تعمل فيه إسرائيل على تحويل الأراضي الفلسطينية إلى مكبات نفايات، تقوم سلطاتها البيئية، مثل سلطة الطبيعة والحدائق وجمعية حماية الطبيعة، بالسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية تحت ذريعة إعلانها محميات طبيعية يُمنع على الفلسطينيين الوصول إليها أو الاستفادة منها. هذه الازدواجية في التعامل مع البيئة الفلسطينية تكشف كيف تُستخدم القوانين والمؤسسات البيئية أدوات استعمارية، حيث يتم تطبيق معايير صارمة لحماية البيئة في المناطق التي يريد الاحتلال السيطرة عليها لصالح المستوطنين، بينما تُعلق جميع القوانين البيئية عندما يتعلق الأمر بالمناطق الفلسطينية التي تتحول إلى "مناطق تضحية".
إسرائيل أنشأت نظاماً قانونياً مزدوجاً للتعامل مع القضايا البيئية في الضفة الغربية، حيث تُطبق قوانين صارمة داخل إسرائيل وفي المستوطنات، بينما تُدار النفايات في المناطق الفلسطينية من خلال "أوامر عسكرية" تتجاوز القوانين المدنية البيئية. هذا النظام القانوني الاستثنائي يتجلى بوضوح في مشروع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزيرة البيئة عيديت سيلمان لمعالجة مشكلة حرق النفايات في 33 موقعاً في الضفة الغربية من خلال "أوامر عسكرية"، في تأكيد صريح على أن البيئة الفلسطينية تُدار خارج إطار القانون المدني.