احتدام معارك الفاشر... الجيش السوداني يحاول قلب المعادلة
استمع إلى الملخص
- تدهورت الأوضاع الإنسانية بسبب الحصار الذي فرضته قوات الدعم السريع، مع نقص حاد في الغذاء والإمدادات، ودعوات أممية لرفع الحصار وحماية المدنيين.
- يتوقع الخبراء تصاعد المعارك بعد وصول الإمدادات للجيش، مما قد يضيق الخناق على قوات الدعم السريع، مع دعم خارجي للأخيرة وتوقعات بفك الحصار البري قريباً.
احتدمت المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور غربي السودان، عقب عملية إنزال جوي نفذها الجيش، الاثنين الماضي، لإمداد قواته المحاصرة في المدينة بالسلاح والمؤن. وقد ظهرت نتائج الإنزال سريعاً بعد يوم واحد، باندلاع معارك ضارية وقصف مدفعي طاول الأحياء السكنية متسبباً في سقوط قتلى وجرحى وسط المدنيين، فيما أعلن الجيش بعد معارك الفاشر القضاء على مهندسين من كولومبيا وأوكرانيا كانوا يعملون مع "الدعم السريع". وترافق التصعيد مع دعوات إضافية من الأمم المتحدة لرفع الحصار الذي تفرضه "الدعم السريع" عن الفاشر، ووضع حد للهجمات العشوائية وإصدار أوامر واضحة لمنع العنف الجنسي والهجمات ذات الدوافع القبلية.
وكانت عملية الإنزال الجوي التي نفذها الجيش هي الأولى منذ إبريل/ نيسان الماضي حين تمكنت "الدعم السريع" من إسقاط إحدى طائرات الشحن العسكرية، وسط حصار خانق تفرضه على مدينة الفاشر وتتحكم عبره في مداخل ومخارج المدينة وتمنع دخول السلع الغذائية والبضائع، متسبباً في أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة. وتصر "الدعم السريع" على إسقاط مدينة الفاشر بعد إحكام سيطرتها منذ الأشهر الأولى للحرب التي اندلعت في 15 إبريل 2023 على أربع ولايات من جملة خمس في إقليم دارفور، وهي ولاية جنوب دارفور وولاية غرب دارفور وولاية شرق دارفور وولاية وسط دارفور، فيما فشلت في السيطرة على الفاشر حيث تواصل شن الهجمات البرية والمدفعية وعبر الطائرات المسيرة على المدينة بصورة شبه يومية.
نتائج معارك الفاشر
وتصاعدت معارك الفاشر مع بدء الفرقة السادسة مشاة، التابعة للجيش السوداني، مباشرة فور تسلمها الإمداد العسكري، في استهداف تجمعات "الدعم السريع" حول مدينة الفاشر بالمدفعية الثقيلة. وقالت الفرقة في بيان أمس الأربعاء، إن قواتها تمكنت أمس الأول الثلاثاء من إلحاق خسائر وصفتها بـ"الكبيرة" في صفوف "الدعم السريع". وأضافت أن قوات الفرقة "تمكنت من إلحاق خسائر كبيرة بعد نصب كمين محكم أدى إلى هلاك عدد كبير من الأجانب من الكولومبيين والأوكرانيين كانوا قد تسللوا إلى بعض أحياء المدينة". ولفتت إلى أن هدف قوات "الدعم" كان "المباني العالية؛ وكان بعضهم مهندسين في مجال المسيّرات والمنظومات، فيما أُرسل قناصة للتمركز داخل المدينة، لكن قواتنا كانت لهم بالمرصاد وتمت مكافحتهم بنجاح".
ووفق البيان "قُتل عناصر آخرون في منطقة كركر شرق المدينة، من بينهم قادة بارزون في صفوف المليشيا". واعتبرت الفرقة أن "بهذه الإنجازات أتمت قواتنا الرقم 250 انتصاراً، وهو إنجاز أدخل الرعب في نفوس المليشيا التي خاطر أفرادها وكثفوا القصف المدفعي في محاولات لإخلاء جثث الأجانب، لكن محاولاتهم باءت بالفشل". كما قصفت مليشيا الدعم السريع، وفق البيان، "أحد مراكز الإيواء انتقاماً لهزائمها وخسائرها خلال اليوم، ما أدى إلى استشهاد عدد كبير من النازحين بينهم أطفال ونساء وكبار سنّ، وإصابة آخرين تم إسعافهم".
وكانت تنسيقية لجان المقاومة في مدينة الفاشر (تنظيمات أهلية ثورية)، أكدت في بيان أمس الأول، أن القصف الذي نفذته "الدعم السريع" على مطبخ خيري في المدينة أدى إلى مقتل ستة مدنيين وجرح أكثر من 24 آخرين. كما أعلن حاكم إقليم دارفور، التابع للحكومة المركزية، مني أركو مناوي، في تصريح أمس الأول، أن "الدعم السريع" استهدفت أحد مراكز الإيواء والنزوح في مدينة الفاشر، ما يمثل جريمة جديدة تضاف إلى سجلها الدموي ضد المدنيين العزل. وأضاف أن "هذا الاعتداء الغادر الذي يستهدف النساء والأطفال والشيوخ النازحين يُظهر بوضوح أن هذه المليشيا لا تفرق بين مقاتل ومدني، وتواصل سياساتها القائمة على الأرض المحروقة وجرائم الإبادة بحق أبناء دارفور"، داعياً منظمات حقوق الإنسان إلى التدخل العاجل لإنقاذ "أهلنا الصامدين في مدينة الفاشر".
لكن معارك الفاشر والأوضاع في المدينة دفع إلى مزيد من التحذيرات الأممية، إذ أعرب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عن "قلقه العميق إزاء تدهور الأوضاع في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور المحاصَرة، ومخيم أبو شوك المجاور، حيث أفاد مستجيبون محليون بوفاة عشرات الأطفال دون سن الخامسة، بالإضافة إلى العديد من كبار السن، بسبب الجوع والمرض خلال الأربعين يوماً الماضية". وذكر المكتب في بيان أمس الأول، أن "نقص التمويل وارتفاع تكاليف التشغيل تسببا في الإغلاق القسري للمطابخ المجتمعية، الأمر الذي حال دون حصول آلاف الأشخاص على وجبات يومية".
ونقل البيان عن منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان دنيس براون، دعوتها إلى "رفع الحصار عن الفاشر، ووضع حد للهجمات العشوائية وإصدار أوامر واضحة لمنع العنف الجنسي والهجمات ذات الدوافع القبلية". وقالت براون، إن "الأمم المتحدة تلقت تقارير عن عمليات قتل غير قانونية، وعمليات اختطاف، واحتجاز تعسفي إلى جانب هجمات عشوائية على الأسواق والمستشفيات ودور العبادة". وشددت "على ضرورة حماية المدنيين، وضمان ممر آمن للراغبين في مغادرة المدينة"، وعلى "ضرورة أن تظل مسارات الخروج مفتوحة وآمنة ويمكن الوصول إليها – كما يتطلب المدنيون الذين يظلون في المدينة أيضاً الحماية، إلى جانب الوصول إلى الغذاء والماء والإمدادات الأساسية الأخرى". وشددت أيضاً على "ضرورة حماية المستجيبين المحليين وعمال الإغاثة الآخرين، الذين يخاطرون بحياتهم يومياً لتقديم المساعدة".
تضييق الخناق على "الدعم السريع"
وحول معارك الفاشر والغنزال الجوي للجيش، رأى الضابط السابق بقوات الاحتياط، حسن إبراهيم، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الدعم السريع" لن توقف هجماتها على الفاشر "رغم الخسائر اليومية التي تتكبدها على يد جنود الجيش والقوات المساندة له". وأضاف أن "انتهاء موسم الأمطار الحالي يعني مزيداً من التصعيد، خصوصاً أن هناك تصعيداً مماثلاً يجري في إقليم كردفان جنوب وسط البلاد، مرتبط مباشرة بما يجري في الفاشر". وعزا ذلك إلى أن "انتصار الجيش في كردفان وبسط سيطرته عليها يعني تضييق الخناق على دارفور، ما يهدد المعقل الرئيسي للدعم السريع في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور".
حسن إبراهيم: المعارك ستتزايد خلال الأيام المقبلة بعد وصول العتاد إلى الجيش والقوات المساندة
وفي رأيه فإن "التذمر في صفوف مقاتلي الدعم السريع وظهورهم وبعض مناصريهم في مقاطع فيديو يوجهون انتقادات لطريقة إدارة المعركة مع الجيش، يشير إلى أن معارك الاستنزاف التي تخوضها الدعم في الفاشر قد باتت تؤثر على معنويات المقاتلين وتدفعهم للشعور بالدوران في حلقة مفرغة". ولفت إلى أن "المعارك ستتزايد خلال الأيام المقبلة بعد وصول العتاد إلى الجيش والقوات المساندة له في المدينة وكسر الحصار الجوي"، كما توقع أن ينفذ الجيش عمليات إنزال إضافية في الفاشر ويتقدم أكثر في إقليم كردفان.
من جهته قال محمد آدم أحمد، القيادي بالقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح المساندة للجيش، ورئيس حركة تحرير السودان في ولاية شمال دارفور، لـ"العربي الجديد"، إن "الفاشر قاتلت في أكثر من 250 معركة من أجل وحدة السودان ومنع تقسيم البلاد"، مضيفاً أن "الدعم السريع تصر على إسقاط المدينة لأن الإرادة ليست بيدها وتتلقى دعماً خارجياً من الإمارات". وشدد أحمد، على أن "كل قيادات المليشيا الذين كانوا في وسط السودان والولايات الأخرى استنزفوا في الفاشر"، متهماً الإمارات "بسرقة موارد السودان عبر طائرات تهبط في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور وتجلب وسائل الحرب ومنظومات الدفاع الجوي وتنقل الذهب والثروة الحيوانية".
محمد آدم أحمد: فُكَّ الحصار الجوي عن الفاشر وسيُفَكّ الحصار البري قريباً
وبشأن الإنزال الجوي في الفاشر، الاثنين الماضي، أكد أحمد أنه تم "بعد تدمير سلاح الجو نحو أربع منظومات جوية للدعم السريع كانت منصوبة حول الفاشر"، معتبراً أن "الإنزال مثل دفعة معنوية كبيرة للمقاتلين. وذكر أنه "كان هناك نوعان من الحصار في الفاشر؛ جوي وبري، والآن فُكَّ الحصار الجوي"، متوقعاً "فك الحصار البري قريباً لأن القوات الآن تتقدم في اتجاهات مختلفة في إقليم كردفان". وأضاف: "نحن هنا بعد أن تحولنا من الدفاع إلى الهجوم في الفاشر عقب الإنزال الجوي، سننفذ عمليات نوعية وستساعد كل تلك الأمور في فك الحصار عن المدينة".