استراتيجية الفصائل العراقية لمواجهة الضربات الجوية: تقليل الخسائر بالإخلاء

05 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 10:54 (توقيت القدس)
خلال جنازة عدد من قتلى الحشد الشعبي عقب استهدافهم بغارة أميركية، 10 مارس 2026 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تتعرض مواقع "الحشد الشعبي" لضربات جوية متزايدة، مما أدى إلى مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين، وتستخدم الفصائل استراتيجية الإخلاء الجزئي لتقليل الخسائر البشرية.
- تعتمد الفصائل على تغيير مواقعها يومياً وتجنب التجمعات الكبيرة لتقليل فعالية الاستهداف الجوي، مما يعكس واقعاً ميدانياً مفروضاً وتبني تكتيكات دفاعية تعتمد على المرونة والتخفي.
- تواجه الحكومة العراقية صعوبة في التعامل مع الضربات الجوية، حيث تشير قيادات إلى ضعف الإجراءات الحكومية، مما يضع العراق أمام اختبار أمني متصاعد.

تتصاعد وتيرة الضربات الجوية التي تتعرض لها مواقع الفصائل العراقية المسلحة التي تعمل تحت عنوان "الحشد الشعبي" والمنتشرة في معظم محافظات البلاد، في وقت تكشف فيه هذه الهجمات عن نمط تعامل ميداني يقوم على تقليل الخسائر البشرية بدل المواجهة المباشرة، عبر اعتماد الإخلاء الجزئي المؤقت.

وسجلت الـ24 ساعة الماضية ضربات جوية استهدفت أربعة مواقع مهمة للفصائل العراقية، في مؤشر على استمرار حدة تلك الهجمات، دون أن تسجل خسائر إلا قتيلاً واحدا وخمس إصابات. ووفقاً لبيان لهيئة الحشد الشعبي صدر فجر اليوم الأحد، فإن "الفوج الرابع التابع للواء 52 ضمن قيادة عمليات الشمال وشرق دجلة في الحشد الشعبي، تعرض في منتصف ليل اليوم الأحد إلى عدوان صهيو-أميركي غادر بضربتين جويتين، وذلك في موقع مطار الحليوة بقضاء طوز خورماتو، ولم يسفر هذا الاعتداء عن وقوع أي خسائر بشرية".

وكانت هيئة الحشد الشعبي قد أعلنت، أمس السبت، مقتل أحد عناصرها وإصابة خمسة آخرين، بينهم منتسب في وزارة الدفاع، بضربة جوية في قضاء القائم، وذكرت الهيئة في بيان أن اللواء 45 ضمن قاطع عمليات الجزيرة في الحشد الشعبي تعرض إلى عدوان صهيو-أميركي غادر عند المنفذ الحدودي في قضاء القائم بمحافظة الأنبار، وأسفر عن مقتل أحد مجاهدي الحشد الشعبي وإصابة أربعة آخرين، فضلاً عن إصابة منتسب في وزارة الدفاع". سبق ذلك هجوم في ليلة أمس استهدف موقعاً للحشد الشعبي في منطقة سهل نينوى، لم يسفر عن وقوع ضحايا.

من جهته، أكد مسؤول أمني عراقي مطلع لـ"العربي الجديد"، أن الفصائل العراقية اعتمدت تطبيق استراتيجية موحدة للتعامل مع الهجمات، وذلك بعد الضربات الأولى التي تعرضت لها في الشهر الفائت، مشيراً إلى أن "الخطة التي اعتمدتها قيادة الحشد تقوم أساساً على الإخلاء الجزئي المؤقت للمقار التابعة لها خصوصاً في أوقات الليل وحتى الصباح التي تسجل فيها معظم الضربات". وأضاف المسؤل الذي اشترط عدم ذكر اسمه أن "الخطة تركز على تقليل حجم الضحايا بين عناصر الفصائل داخل المواقع المستهدفة الى الحد الأدنى، مع نقل جزء من الأفراد إلى معسكرات تابعة للجيش أو مواقع أقل عرضة للاستهداف، أو الانتشار وعدم الوجود في أماكن محددة".

وأوضح أن "الخطة أسهمت بشل ملحوظ في تقليل حجم الخسائر البشرية، وهو ما يظهر بشكل واضح في محدودية عدد الضحايا رغم تكرار الضربات"، مضيفاً: "كما تعتمد الخطة على تغيير مواقع الانتشار بشكل يومي، وتجنب التجمعات الكبيرة داخل المواقع الثابتة، في محاولة لتقليل فعالية الاستهداف الجوي، إلا أن الخطة لم تسهم في تحجيم الخسائر في البنى التحتية للمقار ومخازن السلاح".

من جهته، رأى الخبير في الشأن الأمني العراقي سامي المعموري، وهو ضابط برتبة لواء في الجيش العراقي السابق، أن "هذه الاستراتيجية تعكس واقعاً ميدانياً مفروضاً، إذ لا يمكن للفصائل أن تتصدى بشكل مباشر للضربات الجوية ذات الطبيعة القتالية العالية، ما يدفعها الى تبني تكتيكات دفاعية بحتة"، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن "الخطة الوحيدة القابلة للتنفيذ هي الإخلاء المؤقت وتقليل الانكشاف، لأن أي تمركز كثيف يعني خسائر أكثر في حال الاستهداف". وأضاف: "اعتماد هذا النمط من الإجراءات يشير إلى تحول سلوك الفصائل في التمركز والمواجهة الى المرونة والتخفي، وهو تحول تفرضه طبيعة التهديدات الجوية التي تعتمد على دقة الاستهداف والمفاجأة".

يجري ذلك في وقت تؤكد فيه قيادات في تحالف "الإطار التنسيقي" الذي يضم قوى مرتبطة بالفصائل أن حكومة بغداد لا قدرة لديها على إيقاف الضربات الأميركية المتكررة. وقال النائب السابق عن الإطار عارف الحمامي، في تصريح صحافي أمس السبت، إن "الحكومة الحالية تواجه صعوبة واضحة في التعامل مع هذا الملف، خاصة مع استمرار الضربات التي تطاول بعض المواقع الأمنية دون وجود موقف يردع هذه التجاوزات". وأضاف أن "العراق بحاجة إلى موقف أكثر وضوحاً وقوة لحماية سيادته دون خرق الأجواء، وأن تكرار هذه الاعتداءات يعطي انطباعاً بضعف الإجراءات الحكومية في هذا الجانب".

وتكشف التطورات الأخيرة مشهداً أمنياً شديد التعقيد، تتداخل فيه العمليات الجوية مع الهجمات غير المتناظرة، في وقت تبدو فيه الجهود السياسية غير قادرة حتى الآن على احتواء التصعيد، ما يضع العراق أمام اختبار أمني متصاعد في المرحلة المقبلة.