البابا لاوون الرابع عشر في بيروت: أنتم شعب لا يستسلم
استمع إلى الملخص
- أهمية الزيارة للبنان: تأتي الزيارة في وقت حساس للبنان الذي يعاني من أزمات متعددة. أكد البابا على أهمية الوحدة والمصالحة بين الطوائف اللبنانية ودور النساء في بناء السلام.
- فعاليات الزيارة: تشمل زيارة مواقع دينية وتاريخية ولقاءات مع الأساقفة والمجتمع المدني، بالإضافة إلى قداس إلهي في بيروت لتعزيز الروابط الروحية والاجتماعية.
وصل البابا إلى لبنان قادماً من تركيا
تستمر زيارة البابا حتى يوم الثلاثاء
وصف البابا لاوون الرابع عشر اللبنانيين بأنهم "شعب لا يستسلم"، مشيراً إلى "صمودهم" في وجه "الصعاب"، وذلك لدى وصوله إلى بيروت قادماً من تركيا في زيارة تستمر حتى يوم الثلاثاء المقبل ويعول عليها لبنان للدفع باتجاه حلحلة الأزمات التي يعيشها منذ العدوان الإسرائيلي المدمر.
ووصل البابا إلى مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، عصر الأحد، قادماً من تركيا، حيث أقيم له حفل استقبال رسمي بمشاركة الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس البرلمان نبيه بري والبطريرك الماروني بشارة الراعي وقائد الجيش العماد رودولف هيكل وشخصيات سياسية ودينية عديدة. وعند دخول طائرة البابا الأجواء اللبنانية، رافقها سرب من سلاح الجو اللبناني، كما أطلقت سفن البحرية اللبنانية أبواقها، فيما أطلقت المدفعية 21 طلقة لدى وصول طائرته إلى أرض المطار. وقد حضر عدد من اللبنانيين واللبنانيات حاملين الأعلام اللبنانية والفاتيكانية ترحيباً به.
وبدأ البابا لاوون الرابع عشر أولى محطات جولته اللبنانية، اليوم الأحد، باجتماعات عقدها في قصر بعبدا الجمهوري مع الرئيس عون، ثم رئيس البرلمان، ولاحقاً مع رئيس الحكومة، وانتهاء بممثلين عن المجتمع المدني والسلك الدبلوماسي.
وحضر الاستقبال الرسمي في قصر بعبدا حشد كبير وواسع من الشخصيات السياسية، من ضمنهم رؤساء جمهورية سابقون، وممثلون عن جميع الأحزاب، ونواب ووزراء، إلى جانب شخصيات دينية وروحية ودبلوماسية وعسكرية. وتخلل الاستقبال عرض رقص لفرقة دبكة مع نثر الأرز، كما أقيم عرض ضوئي بتقنية الليزر في الباحة قبيل دخوله، ظهرت فيه صورة للبابا إلى جانب الأرزة اللبنانية، محاطة أيضاً بحمامات السلام وشعار الفاتيكان.
البابا للبنانيين: أنتم شعب لا يستسلم
وألقى البابا لاوون الرابع عشر كلمة مع الرئيس عون، بدأها بالقول: "طوبى لفاعلي السلام"، مشيراً إلى أنه "لفرح كبير لي أن ألتقي بكم وأزور هذه الأرض حيث السلام هو أكثر من مجرد كلمة. السلام هو شوق وهو مصير، وهو عطية وورشة عمل مفتوحة دائماً"، مضيفاً: "أنتم مكلفون بالسلطة في هذا البلد، كل في مجاله الخاص وبأدوار محددة، ومن منطلق هذه السلطة، أود أن أوجه إليكم كلام يسوع، الذي تم اختياره ليكون مصدر إلهام أساسياً لهذه الزيارة".
وتابع البابا: "طوبى لفاعلي السلام. بالتأكيد، هناك ملايين اللبنانيين، هنا وفي كلّ العالم، يخدمون السلام بصمت، يوماً بعد يوم. أما أنتم، الذين تحملون المسؤوليات المختلفة في مؤسّسات هذا البلد، فلكم تطويبة خاصة إن استطعتم أن تقدموا هدف السلام على كلّ شيء".
وقال للبنانيين: "أنتم شعب لا يستسلم، بل يقف أمام الصعاب ويعرف دائماً أن يولد من جديد بشجاعة. صمودكم هو علامة مميزة لا يمكن الاستغناء عنها لفاعلي السلام الحقيقيين"، مضيفاً:"في الواقع، عمل السلام هو بداية متجددة ومستمرة. الالتزام من أجل السلام، ومحبة السلام لا يعرفان الخوف أمام الهزائم الظاهرة، ولا يسمحان للفشل بأن يثنيهما، بل طالب السلام يعرف أن ينظر إلى البعيد، فيقبل ويعانق برجاء وأمل كلّ الواقع"، معتبراً أن بناء السلام يتطلّب مثابرة، وحماية الحياة ونموّها يتطلب إصراراً وثباتاً. وأضاف البابا في حديثه عن لبنان: "أنتم بلد متنوّع، وجماعة مكوّنة من جماعات، لكن موحّد بلغة واحدة، هي لغة الرجاء، اللغة التي سمحت لكم دائماً بأن تبدأوا من جديد، رغم تداعيات الاقتصاد القاتل، وعدم الاستقرار العالمي الذي خلّف آثاراً مدمّرة في المشرق أيضاً، ومن التشدّد وتصادم الهويات والنزاعات".
وشدد البابا على أن "هناك جراحاً شخصية وجماعية تتطلب سنوات طويلة، وأحياناً أجيالاً كاملة، لكي تلتئم، إن لم تعالج، وإن لم نعمل على شفاء الذاكرة، وعلى التقارب بين من تعرضوا للإساءة والظلّم، فمن الصعب السير نحو السلام"، مشيراً إلى أن "الحقيقة والمصالحة تنموان دائماً وفقط معاً: سواء في العائلة، أو بين الجماعات المختلفة والمكونات المتعددة في بلد ما، أو بين البلدان المختلفة".
وتابع: "في الوقت نفسه، لا توجد مصالحة دائمة من دون هدف مشترك، ومن دون انفتاح على مستقبل يسود فيه الخير على الشر الذي عانى منه الناس أو فرضوه على غيرهم في الماضي أو الحاضر. لذلك، لا تولد ثقافة المصالحة من القاعدة فقط، ومن استعداد البعض وشجاعتهم، بل تحتاج إلى السلطات والمؤسسات التي تعترف بأن الخير العام هو فوق خير الأطراف، والخير العام هو أكثر من مجموع مصالح كثيرة: إنه يقرّب أهداف الجميع بقدر المستطاع ويدفع الجميع في اتجاه واحد ليحققوا أكثر مما لو استمر كل فرد وحده"، مشدداً على أن "السلام هو أن نعرف أن نعيش معاً، في وحدة وشركة، متصالحين بعضنا مع بعض. المصالحة، التي تسمح لنا بأن نعيش معاً، وتعلّمنا أيضاً أن نعمل معاً، جنباً إلى جنب، من أجل مستقبل مشترك".
وأضاف البابا أن "من ميزات فاعلي السلام أيضاً أنهم يجرؤون على البقاء، حتى عندما يكلّفهم ذلك بعض التضحية"، مؤكداً أن "البقاء في الوطن والمساهمة يوماً بعد يوم في تطوير حضارة المحبة والسلام أمر يستحق التقدير. وشدد أيضاً على الدور الأساسي للنساء في "التزامهن الدؤوب والصابر للحفاظ على السلام وبنائه".
عون: لن نموت ولن نرحل ولن نيأس ولن نستسلم
وقال عون في كلمة مشتركة مع البابا إن "لبنان الذي يستقبلكم اليوم هو الذي تكوّن بسبب الحرية ومن أجلها، لا من أجل أي دين أو طائفة أو جماعة. وطن الحرية لكل إنسان والكرامة لكل إنسان. وطن فريد في نظامه حيث يعيش مسيحيون ومسلمون، مختلفين لكن متساوين، وفي نظام دستوري قائم على التساوي بين المسيحيين والمسلمين وبالانفتاح على كل إنسان وضمير حر".
وأضاف: "من هنا واجب الإنسانية الحية الحفاظ على لبنان، لأنه إذا سقط هذا النموذج في الحياة الحرة المتساوية بين أبناء ديانات مختلفة، فما من مكانٍ آخر على الأرض يَصلحُ لها"، متابعاً كلمته: "إذا زال المسيحي في لبنان، سقطت معادلة الوطن، وسقطت عدالتها، وإذا سقط المسلم في لبنان، اختلت معادلة الوطن، واختلّ اعتدالها، وإذا تعطل لبنان أو تبدل، فسيكون البديل حتماً خطوط تماسٍ في منطقتِنا والعالم، بين شتى أنواع التطرّف والعنف الفكري والمادي وحتى الدموي"، مشدداً على أن "بقاء هذا اللبنان، هو شرط لقيام السلام والأمل والمصالحة بين أبناء إبراهيم كافة".
وتوجّه عون إلى البابا بالقول: "أبلغوا العالم عنا، بأننا لن نموت ولن نرحل ولن نيأس ولن نستسلم، بل سنظل هنا، نستنشق الحرية، ونخترع الفرح ونحترف المحبة، ونعشق الابتكار، وننشد الحداثة، ونجترح كل يوم حياة أوفر، أبلغوا العالم عنا، بأننا باقون مساحة اللقاء الوحيدة، في كل منطقتنا، وأكاد أقول في العالم كله. فما يجمعه لبنان لا يسعه أي مكان في الأرض، وما يوحده لبنان لا يفرقه أحد"، مشدداً على أنه "بهذه المعادلة يعيش لبنان في سلام مع منطقته، وفي سلام منطقته مع العالم".
وتابع عون كلمته: "من الآن حتى يسمع المعنيون ويقتنعوا، لا خوف علينا، فبصلاتكم ودعائكم، وبإيماننا بحقنا ووطننا، باقون هنا، أبناء الرجاء، والقيامة، باقون هنا، نور الشرق ومنارته وملح أرضه، وباقون هنا، رسل محبة وخير"، مشدداً على أنه "منذ البداية وحتى النهاية، نحن تلاميذ من أوصانا ألا نخاف، وأن نثق به، لأنه بمحبته وسلامه غلب العالم، ونحن شهود على ذلك وعاملون لتحقيقه".
وشهدت الطرقات المؤدية من بيروت إلى القصر الجمهوري في بعبدا تجمّعات للمواطنين لإلقاء التحية على البابا، ضمنها على طريق المطار، حيث نظم كشافة الإمام المهدي استقبالاً له، في تأكيد من جانب حزب الله، وفق تعبيره، على "دوره في هذه المناسبة، وترحيبه الشديد به".
وتأتي زيارة البابا لاوون الرابع عشر التي تستمرّ حتى يوم الثلاثاء، وهي الرابعة لبابوات إلى لبنان، في توقيت حسّاس يعيشه لبنان، بفعل تواصل الضربات الإسرائيلية على أراضيه، وارتفاع حدّة التهديدات بتصعيد العمليات العسكرية في حال لم تسارع السلطات اللبنانية إلى نزع سلاح حزب الله، خصوصاً مع نهاية العام الجاري، علماً أن أجواء كثيرة تشاع أيضاً عن أن إسرائيل قد تستأنف تكثيف اعتداءاتها بعد مغادرة البابا الأراضي اللبنانية.
ويُعوّل اللبنانيون كثيراً على زيارة البابا، لأنها يمكن أن ترتدّ سلاماً على وطنهم، بعد أزمات عدّة مرّوا بها، خصوصاً منذ عام 2019، مع الانهيار النقدي والمعيشي، فانفجار مرفأ بيروت، وأزمة كورونا، والحرب الإسرائيلية الأخيرة، كما ينتظرون الرسائل التي يمكن أن يوجهها لهم وتحديداً إلى العالم، في إطار الدعوة إلى وقف الصراعات وتثبيت الاستقرار، والتشديد على أهمية لبنان ودوره في المنطقة، ربطاً بالوصف التاريخي للبابا السابق يوحنا بولس الثاني بأن "لبنان رسالة".
ويتخذ لبنان خلال هذه الزيارة جملة تدابير أمنية وتنظيمية استثنائية، معلناً عطلة رسمية بالمناسبة، وذلك من أجل حسن إقامة ونجاح الحدث، وتأمين حركة مرور سلسة وآمنة لجميع الزوّار، ورُفعت الأعلام اللبنانية والفاتيكانية على الطرقات التي ستشملها جولات ومحطات البابا لاوون الرابع عشر كافة.
محطات اليومين الثاني والثالث
ويشمل اليوم الثاني من محطات البابا زيارة دير مار مارون، عنايا، والصلاة عند ضريح القديس شربل، وزيارة ساحة الشهداء، والمشاركة في اللقاء المسكوني، ومن ثم زيارة بازيليك حريصا (السيدة حريصا، أكبر مزار مريمي في الشرق الأوسط)، وعقد لقاء مع الأساقفة، بينما يشمل اليوم الثالث زيارة دير الصليب في بقنايا، حيث يعقد لقاء مع الموظفين والمرضى، وزيارة مرفأ بيروت للصلاة من أجل شهداء انفجار المرفأ الذي وقع في 4 أغسطس/آب 2020، والاحتفال بالقداس الإلهي في الواجهة البحرية لبيروت، الذي يُتوقّع أن يشارك فيه أكثر من 120 ألف شخص، قبل أن تُقام له مراسم وداع رسمي في المطار ويغادر بعدها إلى روما.
رئيس مزار حريصا: هذه الزيارة لها معنى أوسع من الزيارات السابقة
في الإطار، يقول رئيس مزار سيدة لبنان – حريصا الأب خليل علوان، لـ"العربي الجديد"، إن "هناك تحديات عدّة قائمة اليوم، سواء على صعيد ظروف المنطقة والتعهدات الإبراهيمية والشرق الأوسط الجديد، إلى جانب المشاكل اللبنانية من فقدان للسيادة وأزمات المجتمع من الناحية الاقتصادية والمالية والفساد المستشري، وقد بدأ اللبنانيون، خصوصاً الفئات الشابة، يفقدون الأمل، وشهدنا بهذه الأعوام الخمسة أكبر ظاهرة هجرة بتاريخ لبنان".
ويردف علوان قائلاً: "البابا لا يأتي اليوم ليصنع المعجزات، لكن عندما يستقبله الآلاف، وخصوصاً بوجود أكثر من 1300 صحافي، فهذا من شأنه أن يضيء على لبنان وحالته وواقعه، وعلى الدمار والقرى المهدمة والانتهاك الحاصل للسيادة اللبنانية، والأزمات التي يعانيها الشعب، والجريمة الكبرى التي حصلت في مرفأ بيروت عام 2020، وأمور أخرى لا تظهرها الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، وهذه من شأنها أن تترك تأثيراً".
كذلك، يضيف علوان أن "مرافقي البابا من الكرادلة يتعاطون بالشأن الاجتماعي والعلاقات بين الدول، من هنا هناك تعويل كبير على هذه الدوائر الرومانية للقيام بنوع من الضغط على البلدان المؤثرة التي لها قرار في الشرق الأوسط الجديد، من أجل إحداث تغيير ما في الوضع اللبناني الذي ينطبق عليه اليوم وصف راوح مكانك، وسط غياب الحلول".
ويلفت علوان إلى أن "هذه الزيارة لها معنى أوسع من الزيارات الرعوية السابقة، فالبابا لاوون الرابع عشر احتفل في تركيا بذكرى 1700 سنة على قانون الإيمان للعقيدة المسيحية، والذي كُتِب في مجمّع نيقية، والتقى بطريرك الأرثوذكس، كما سيلتقي بطاركة لبنان لأنه بالعرف الكنسي البطريرك هو بمثابة البابا لكنيسته، وهو آتٍ بالتالي عند زملائه المتساوين، وهو الأول بين المتساوين، وفق التعبير اللاهوتي"، مضيفاً: "إلى جانب ذلك، فإن لبنان هو وطن رسالة وحرية، ولبنان بلا حرية لا يكون لبنان".
وحول ما إذا كانت هناك تطمينات دولية أو ضمانات حصل عليها لبنان من أجل عدم قيام إسرائيل بأي عمل عسكري خلال هذه الزيارة، يقول علوان: "هناك عمل حثيث من الحرس الجمهوري الذي يتولى حراسة البابا، وتدابير أمنية واستثنائية واسعة وضعت لحفظ الأمن، ونتّكل على الضمانات التي تأتي من ربنا"، مشيراً كذلك إلى أن البابا سيكون له كلام عن الجنوب، ويؤكد وقوفه إلى جانب اللبنانيين وسيادة لبنان.
رسالة حزب الله إلى البابا
وأمس السبت، وجّه حزب الله رسالة إلى البابا لاوون الرابع عشر، تطرّق فيها إلى المأساة التي شهدتها غزّة في فلسطين المحتلة خلال السنتين الماضيتين، كما المعاناة التي يعيشها اللبنانيون من جراء احتلال بعض أرضهم، ومواصلة الاعتداءات عليهم وتهديد أمنهم واستقرارهم في بلدهم.
وأكد حزب الله في رسالته "تمسّكنا بالعيش الواحد المشترك، وبالديمقراطية التوافقية، وبالحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، وبحرصنا على السيادة الوطنية وحمايتها، بالوقوف مع جيشنا وشعبنا لمواجهة أيّ عدوان أو احتلال لأرضنا وبلدنا. كما أننا نلتزم بحقنا المشروع في رفض التدخل الأجنبي، الذي يريد فرض وصايته على بلدنا وشعبنا، ومصادرة قراره الوطني وصلاحيات سلطاته الدستورية".