اهتمام أميركي بميناء بربرة: ماذا عن علاقة واشنطن ومقديشو؟
استمع إلى الملخص
- تسعى واشنطن لتعزيز التعاون الأمني والعسكري مع أرض الصومال، وتعتبر بربرة خياراً بديلاً أو مكملاً لقاعدة جيبوتي، مما يمنحها قدرة أكبر على دعم عملياتها في القرن الأفريقي.
- ترى مقديشو أن التعاون مع الولايات المتحدة يمكن أن يعزز الاستقرار الداخلي، وتسعى لإدارة العلاقة بطريقة تضمن توازناً بين المصالح المتبادلة مع الحفاظ على وحدة البلاد.
يشهد إقليم أرض الصومال (الانفصالي غير المعترف به دولياً) اهتماماً أميركياً متصاعداً في الفترة الأخيرة، حيث يتردد المسؤولون في السفارة الأميركية والقيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) من حين إلى آخر إلى العاصمة هرجيسا، كما مدينة بربرة الاستراتيجية، الواقعة بالقرب من خليج عدن. وتُعد (أفريكوم) واحدة من القيادات العسكرية الموحدة التابعة لوزارة الحرب الأميركية (بنتاغون)، ويقع مقرها في معسكر ليمونييه في جيبوتي، وهو القاعدة الأساسية للقوات الأميركية في منطقة القرن الأفريقي، حيث يتمركز فيه الجنود ويجري تنسيق العمليات العسكرية والأمنية.
وتُعد جيبوتي مركزاً رئيسياً لعمليات أفريكوم في القارة، وتدعم جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار الإقليمي بحسب تعريفه لنفسه. واستقبل رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله عرو وفداً أميركياً برئاسة قائد القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) الجنرال داغفين أندرسون، ونائب السفير الأميركي لدى الصومال جاستن ديفيس، الأربعاء الماضي في القصر الرئاسي بهرجيسا، حيث بُحثَت سبل تعزيز التعاون الأمني والعسكري بين الجانبين. وخلال اللقاء، شدد الرئيس على الدور الذي تلعبه أرض الصومال في حفظ الأمن الإقليمي، مؤكداً أن التجربة الطويلة للإقليم في الاستقرار السياسي، ومكافحة التهديدات العابرة للحدود، تجعل منه شريكاً أساسياً في الجهود الهادفة إلى حماية الممرات البحرية الدولية.
محمود حسن عبدي: الولايات المتحدة تنظر إلى بربرة كخيار بديل لقاعدة جيبوتي
أهمية ميناء بربرة
وتناول الطرفان الأهمية المتزايدة التي يكتسبها ميناء بربرة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، إذ بات يمثل بالنسبة إلى واشنطن موقعاً استراتيجياً متقدماً بالقرب من مضيق باب المندب، وخصوصاً مع التنافس الدولي المتسارع في منطقة البحر الأحمر والنفوذ الصيني المتعاظم في جيبوتي. وأوضح أندرسون أن موقع بربرة يمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على دعم عملياتها اللوجستية والعسكرية في القرن الأفريقي، ومراقبة حركة الملاحة الحيوية التي تمر عبر خليج عدن. بدوره، أشاد نائب السفير الأميركي بالنموذج السياسي المستقر في أرض الصومال، قائلاً إن بلاده ترى في الإقليم "شريكاً يمكن الوثوق به في حماية الأمن البحري وتعزيز جهود مكافحة الجماعات المتطرفة".
وأكد رغبة واشنطن في توسيع التعاون بمجالات تدريب القوات، وبناء قدرات المؤسسات الأمنية، وتطوير الشراكات الإقليمية. ووفق متابعين، تبحث واشنطن عن مقر جديد لعملياتها في أرض الصومال، لتوسيع دائرة عملياتها، وهي حاجة ازدادت أهمية بعد تصاعد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر وعودة نشاط القراصنة قبالة السواحل الصومالية، فضلاً عن الحرب المستعرة في شمال الصومال وجنوبه ضد تنظيم داعش وحركة الشباب، التي تشارك فيها القيادة الأميركية في أفريقيا من خلال تنفيذ ضربات جوية لاستهداف بؤر الإرهابيين وتجمعاتهم.
وبربرة أحد أهم الموانئ الاستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي، إذ أصبح محوراً رئيسياً في موازين القوى الدولية المتنافسة في البحر الأحمر وخليج عدن. ويمثل بالنسبة إلى واشنطن موقعاً حيوياً لتوسيع نفوذها الإقليمي ومنع موسكو وبكين من إيجاد موطئ قدم لهما في هذا الممر البحري شديد الحساسية. وقد أظهرت تطورات الحرب في غزة وتصاعد نشاط الحوثيين مقدار الأهمية التي بات يحظى بها هذا الميناء، ليس فقط من زاوية تأمين خطوط الملاحة والتجارة، بل أيضاً كأداة فعّالة في إدارة التوترات الإقليمية واحتواء أي تهديد محتمل للمصالح الأميركية.
في السياق، يقول مدير مركز هرجيسا للبحوث والدراسات، محمود حسن عبدي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن زيارات المسؤولين الأميركيين المتكررة لبربرة والمنطقة المحيطة لا يمكن فصلها عن التحولات الأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن، ولا عن القلق الأميركي المتزايد من تمدد نفوذ قوى منافسة، كالوجود الصيني المتصاعد في جيبوتي، وكذلك النشاط الروسي والإيراني في السواحل اليمنية المقابلة. كذلك تنظر الولايات المتحدة إلى بربرة على أنه خيار احتياطي واستراتيجي يكمل أو يخفف الاعتماد شبه الكامل على قاعدة جيبوتي، خصوصاً في حال حدوث ضغوط سياسية أو أمنية مستقبلية هناك. إضافة إلى ذلك، توفر المنطقة عمقاً جغرافياً مهماً للإشراف عن قرب ومن مسافة آمنة على شرق أفريقيا واليمن ومجمل شبه الجزيرة العربية.
وعن أهمية ميناء بربرة استراتيجياً بالنسبة إلى واشنطن، يقول عبدي إن هذه المنطقة تُعَدّ إحدى أهم النقاط الجيوسياسية في القرن الأفريقي، ليس فقط لصوماليلاند (أرض الصومال)، بل للقوى الدولية المعنية بأمن البحر الأحمر وباب المندب، ففي ظل التنافس الاستراتيجي والاقتصادي بين تلك القوى، وعلى رأسها الجانبان، الأميركي والصيني، من الطبيعي اعتبار ميناء بربرة الواقع على مقربة مباشرة من أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، حيث يمر عبر مضيق باب المندب ما يقارب ثلث التجارة البحرية العالمية المرتبطة بالطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا، ساحة جديدة للنفوذ. ويضيف أن هذه الميزة الجغرافية تمنح بربرة قيمة عالية في الإشراف والسيطرة اللوجستية مع تصاعد التنافس الدولي وتزايد التهديدات غير التقليدية، مثل الوضع المتأزم في البحر الأحمر، كإفراز حالة الصراع في الشرق الأوسط، وسوابق عمليات القرصنة، والتهريب النشط للسلاح وتحركات الجماعات المسلحة العابرة للحدود.
ويتابع عبدي: أما مسألة تمهيد الطريق لإنشاء قاعدة أو مركز عسكري أميركي في بربرة، فهي ليست مستبعدة من الناحية النظرية، مع نجاح صوماليلاند (إقليم أرض الصومال) في التوصل إلى علاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان حليفة أميركا، والقطيعة المبكرة مع الصين. لكن التحركات الأميركية تخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمشهد العام للمحيط الإقليمي، ولذلك فالخيار الأكثر واقعية يتمثل بإنشاء مرفق لوجستي أو نقطة تعاون أمني واستخباراتي محدودة بداية، بدل قاعدة تقليدية دائمة، وذلك لتجنب التعقيدات السياسية والقانونية المرتبطة بوضع صوماليلاند غير المعترف به دولياً، ولحين توفر الظروف الملائمة للانخراط في التزامات مباشرة وطويلة الأمد.
وبحسب عبدي، فإن صوماليلاند ترى الاهتمام الأميركي فرصة سياسية واقتصادية وأمنية لا تعوّض، فالانخراط مع واشنطن يمنح هرجيسا ورقة ضغط دبلوماسية إضافية لتعزيز شرعيتها الدولية، ويتيح الاستفادة من الدعم الأمني وبناء القدرات، وتحويل بربرة إلى عقدة لوجستية إقليمية، مع وجود حسابات الربح والخسارة؛ فتعميق التعاون مع الولايات المتحدة قد يثير حساسيات إقليمية، رغم عدم وجود بدائل أخرى لدى صوماليلاند سوى الإقدام، فذلك يتطلب إدارة متوازنة تحافظ على المكاسب الاستراتيجية دون الوقوع في فخ الاستقطاب الدولي الحاد.
خالد علي: ترغب مقديشو أن يكون النفوذ الأميركي في بربرة بموافقتها المباشرة
بدوره، يقول الصحافي الصومالي خالد علي، في حديث لـ"لعربي الجديد"، إن الولايات المتحدة تنظر إلى بربرة باعتبارها نقطة ارتكاز يمكن أن تسهم في تحقيق توازن بين دول المنطقة، وخصوصاً في ظل التحركات الإثيوبية المتزايدة للوصول إلى منفذ بحري عبر المياه الصومالية. ويضيف: لا تبدي الحكومة الصومالية قلقاً علنياً تجاه كثافة الزيارات الأميركية لهرجيسا، رغم إدراكها أنها جزء من إعادة رسم المشهد الاستراتيجي في المنطقة، وترى مقديشو أن ما يهمها أساساً، أن يكون النفوذ الأميركي في بربرة بموافقتها المباشرة، وبما يضمن تحييد أي تدخل من قبل أطراف إقليمية مثل الإمارات أو إثيوبيا قد يؤثر في الخريطة السياسية أو يمسّ بالسيادة الصومالية.
قناعة الصومال
أما بالنسبة إلى الموقف الصومالي، فيرى علي أنه يستند إلى قناعة بأن السياسة الأميركية تجاه وحدة الصومال ثابتة، وأن التعاون مع أميركا يمكن أن يشكّل فرصة لتعزيز الاستقرار الداخلي وتقليص مخاطر القرصنة وتهريب السلاح والمخدرات وتسلل المقاتلين الأجانب، وهو ما قد يضعف قدرات الجماعات المسلحة، مثل داعش وحركة الشباب. كذلك تسعى مقديشو لإدارة علاقتها مع واشنطن بطريقة تضمن توازناً بين المصالح المتبادلة، وخصوصاً في ما يتعلق بتوسيع الشراكة العسكرية والأمنية والاستخباراتية. ووفق علي، فإن التساؤلات عن الخيارات المتاحة للصومال إذا اتخذت واشنطن موقفاً مغايراً تبقى مطروحة، كأن تدعم أرض الصومال سياسياً بما يؤدي إلى تقويض وحدة البلاد. ويضيف: في هذا السيناريو، لن يكون أمام مقديشو سوى التمسك بالشرعية الدولية الكاملة، ومحاولة التوجه نحو الصين وروسيا، رغم عدم استعداد هاتين القوتين، في الوقت الراهن، للدخول في منافسة مباشرة مع الولايات المتحدة داخل الصومال. كذلك ستعتمد الحكومة على تعزيز الجبهة الداخلية وتسريع الجهود الرامية إلى إنهاء التمرد المسلح وتحسين أداء مؤسسات الدولة المركزية لضمان حماية وحدتها واستقلال قرارها السياسي.