تدخلات أميركية غير مسبوقة في انتخابات حول العالم بعهد ترامب
استمع إلى الملخص
- امتد تأثير ترامب إلى أمريكا اللاتينية وأوروبا، حيث دعم مرشحين يمينيين في الأرجنتين وبولندا، وانتقد القيود على حزب "البديل من أجل ألمانيا"، مما يعكس محاولته لتعزيز اليمين.
- رغم انتقاده للتدخل في الشرق الأوسط، دعم ترامب حلفاءه السياسيين علناً، مثل بنيامين نتنياهو، مميزاً نهجه عن التدخلات الأمريكية التقليدية.
على مدى عقود، لم تتردد الولايات المتحدة في التدخل بالانتخابات حول العالم، غير أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نقل هذا التدخل إلى مستوى غير مسبوق. وعلى عكس ممارسات الحرب الباردة وعمليات التأثير السرية التي نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية، اعتمد ترامب نهجاً يقوم على مخاطبة الناخبين في دول أخرى بصراحة، داعياً إياهم إلى التصويت لحلفائه من تيارات اليمين المحلي.
وجاءت أحدث الأمثلة نهاية الأسبوع الماضي، حين توجه ترامب برسالة علنية إلى مواطني هندوراس طالبهم فيها بدعم المرشح اليميني ناصري أسبورا، واصفاً إياه بأنه "الصديق الحقيقي الوحيد للحرية". ووعد ترامب بالتعاون معه في حال فوزه، لكنه لوح في الوقت نفسه بقطع المساعدات الأميركية عن البلد الفقير إذا خسر، في خطوة قد تزيد أوضاعه تدهوراً. وحتى اللحظة، تشير التحديثات الأولية إلى تقدم ضئيل لصالح أسبورا.
ويقول مدير برنامج الديمقراطية في معهد كارنيغي للسلام الدولي توماس كاريذرس إنه "لا يستطيع تذكر فترة أقدم فيها رئيس أميركي في التاريخ الحديث على إعلان تفضيلاته الانتخابية في دول أجنبية بهذه الطريقة". ويشير في حديثه لوكالة فرانس برس إلى أن النهج الذي يتبناه ترامب يبدو أوضح وأقسى في أميركا اللاتينية، المنطقة التي اختبرت تاريخاً طويلاً من التدخلات الأميركية، إذ إنه منذ بداية ولايته، لم يتردد وزير خارجيته ماركو روبيو في السخرية من الرئيس الكولومبي اليساري المناهض لإسرائيل غوستافو بيترو ونعته بـ"المجنون"، كما فرض عقوبات على مسؤولين في القضاء البرازيلي على خلفية محاكمة الرئيس السابق جايير بولسونارو، حليف ترامب، بتهمة محاولة الانقلاب. أما ترامب نفسه، ففرض لفترة رسوماً على صادرات البرازيل في محاولة للضغط للإفراج عن أحد أصدقائه.
وفي الأرجنتين، تعهد ترامب هذا العام بضخ 220 مليار دولار في اقتصاد البلاد المتعثر، محذراً من أنه سيتراجع عن ذلك إذا صوّت الناخبون ضد حزب الرئيس خافيير مايلي، اليميني الليبرتاري. وفي نهاية المطاف، حقق حزب مايلي فوزاً في انتخابات منتصف الولاية.
ويرى الباحث في مجلس العلاقات الخارجية ويل فريدمان في حديثه لـ"فرانس برس" أن ما يحدث هو "محاولة متواصلة للتأثير في السياسات الداخلية لدول أخرى، وتعزيز الميل نحو اليمين الذي يعتبره ترامب وفريقه تطوراً متسقاً في المنطقة". وفي فنزويلا، حيث الانتخابات غير متاحة للتأثير، تحدث ترامب صراحة عن استخدام القوة العسكرية الأميركية لإطاحة نيكولاس مادورو، فيما أفادت تقارير حديثة بأنه وجه له إنذاراً لمغادرة الحكم.
ولم يقتصر نفوذ ترامب على أميركا اللاتينية، إذ امتد تدخله إلى أوروبا. ففي بولندا، أعلنت وزيرة الأمن الداخلي في إدارته دعمها العلني للمرشح المحافظ كارول نبرودزكي الذي فاز لاحقاً. أما في رومانيا، فكانت النتيجة أقل نجاحاً، إذ خسر حليفه من اليمين المتطرف بعد جولة إعادة مثيرة للجدل. وفي ألمانيا، هاجم نائبه جي دي فانس القيود المفروضة على حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتشدد، بينما أغدق ترامب ومستشاروه المديح على نايجل فاراج في بريطانيا، وانتقدوا في فرنسا الحكم الصادر بحق مارين لوبان بتهمة إساءة استخدام أموال عامة، وهو حكم قد يبعدها عن سباق الرئاسة في 2027 رغم صعودها السياسي.
وتظل مسألة استعداد ترامب للتدخل في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة سؤالاً مفتوحاً. وبينما أكد خلال ولايته الأولى استعداده للعمل مع أي رئيس حكومة يختاره الإسرائيليون، بمن فيهم بيني غانتس، إلا أن الإشادات المتكررة التي خص بها بنيامين نتنياهو في الشهور الأخيرة، ووصفه له بأنه "قائد عظيم في زمن الحرب"، إلى جانب جهوده العلنية والسرية لدفع الرئيس إسحاق هرتسوغ لمنحه عفواً، تعزز احتمالات التدخل. وسارعت شخصيات من معسكر نتنياهو إلى استثمار هذا الدعم، وقد حذرت الوزيرة عيديت سيلمان من أن تجاهل طلب ترامب للحكومة الإسرائيلية بالعفو "قد يدفعه لاتخاذ خطوات وفرض عقوبات".
ويتجلى التناقض بين خطاب ترامب وممارساته في موقفه من التدخل السياسي. ففي خطاب ألقاه في الرياض في مايو/أيار الماضي، دان محاولات الولايات المتحدة التدخل في شؤون الشرق الأوسط، واعتبرها سبباً لكوارث سابقة. لكنّ الباحث داف ليفين يوثق في كتاب نشر عام 2021 أكثر من 80 حادثة تدخل أميركي في انتخابات أجنبية منذ الحرب العالمية الثانية، وهو رقم لا تتجاوز غيره سوى روسيا، التي تواصل التدخل في انتخابات دول من الكتلة السوفييتية السابقة مثل مولدوفا مؤخراً.
مع ذلك، يرى كاريذرس أن ترامب يتميز عن ذلك التاريخ بطبيعة الدوافع التي تحركه، إذ إنه بدل الحسابات الجيوسياسية التي ميزت فترة الحرب الباردة، يقوم نهجه الحالي على دعم شبكة من الحلفاء السياسيين الذين يرى أنهم أصدقاء مباشرين له. وفي المقابل، يشير إلى أن قادة أوروبيين كثر يفضلون خسارة رئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوربان في الانتخابات المقبلة، لكنهم لا يعلنون ذلك صراحة، بينما اختار ترامب استضافته في البيت الأبيض الشهر الماضي، ومنحه دعماً علنياً جديداً.
(فرانس برس)