تدخّل واشنطن في انتخابات المجر يزيد التوتر مع أوروبا.. وفوز أوربان ينذر بانقسام القارة
استمع إلى الملخص
- فوز أوربان قد يؤدي إلى انقسام داخل الاتحاد الأوروبي، مما يعزز التيارات القومية ويؤثر على قدرة الاتحاد في اتخاذ قرارات موحدة بشأن قضايا كبرى مثل الحرب في أوكرانيا.
- الدعم الأميركي لأوربان يعكس تحولات أيديولوجية في الولايات المتحدة، مما قد يعيد تشكيل التوازن في أوروبا ويؤثر على العلاقة بين ضفتي الأطلسي.
تشهد الساحة السياسية في المجر قبيل الانتخابات المرتقبة يوم الأحد القادم تصعيداً لافتاً في الخطاب السياسي، مع دخول الولايات المتحدة، وتحديداً التيار المحافظ المرتبط بدونالد ترامب، على خط الدعم العلني لرئيس الوزراء فيكتور أوربان وزعيم حزب فيديز.
زيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أمس الثلاثاء إلى بودابست شكّلت نقطة تحول، إذ لم تقتصر على دعم دبلوماسي تقليدي، بل حملت رسائل سياسية مباشرة للاتحاد الأوروبي. فقد اتهم فانس من وصفهم بـ"البيروقراطيين في بروكسل" بالتدخل في الانتخابات المجرية، ومحاولة تقويض الاقتصاد المجري ومعاقبة حكومة أوربان بسبب مواقفها السيادية.
هذا الموقف يعكس تحالفاً أيديولوجياً متنامياً بين أوربان والتيار المحافظ الأميركي، حيث ينظر إليه بوصفه رمزاً لمشروع "الديمقراطية غير الليبرالية" في أوروبا. كما أن دعم ترامب يعزز هذا الاتجاه، إذ يرى فيه حليفاً طبيعياً في مواجهة الليبرالية الأوروبية. في المقابل، تنظر مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى هذا التدخل الأميركي بوصفه سابقة مقلقة، خصوصاً أنه يأتي مترافقاً مع اتهامات متبادلة، فبروكسل تتهم بودابست بالاقتراب من روسيا، بل وتقديم معلومات عن اجتماعات مغلقة في بروكسل إلى الكرملين، وتعطيل قرارات استراتيجية، بينما ترد حكومة المجر باتهام الاتحاد بمحاولة التأثير على خيارات الناخبين.
يصف أوربان العلاقة مع الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب المحتملة بأنها "عصر ذهبي"، في إشارة إلى التقارب السياسي والفكري. لكن هذه العلاقة تأتي على حساب علاقته المتوترة أصلاً مع الاتحاد الأوروبي. وتتمحور الخلافات مع بروكسل حول عدة ملفات، من بينها سيادة القانون والديمقراطية إذ يتهم الاتحاد الأوروبي حكومة أوربان بتقويض المؤسسات الديمقراطية وحرية الإعلام. كما تُنتقد بودابست بسبب علاقاتها مع فلاديمير بوتين، خاصة في ملف الطاقة. وفي ملف أوكرانيا، تعرقل المجر أحياناً قرارات الدعم الأوروبي لكييف، ما يضعها في مواجهة مباشرة مع شركائها. تضاف إلى ذلك سياسات الهجرة وقضايا أخرى.
في هذا السياق، فإن انتخابات المجر ليست مجرد استحقاق محلي؛ بل باتت اختباراً لصراع أوسع بين نموذجين: أوروبا الليبرالية من جهة، وصعود التيارات القومية المحافظة المدعومة خارجياً، وخصوصا من إدارة ترامب، من جهة أخرى.
سيناريو فوز أوربان: تداعيات سلبية على أوروبا
في حال نجح فيكتور أوربان وحزب فيديز في الاحتفاظ بالسلطة، فإن الاتحاد الأوروبي سيدخل مرحلة أكثر تعقيداً من الانقسام الداخلي، لا تقتصر على الخلافات السياسية بل تمتد إلى جوهر الرؤية المستقبلية للمشروع الأوروبي. ففوز أوربان لن يُنظر إليه بوصفه استحقاقاً محلياً عادياً، بل إشارة سياسية تعزز صعود التيارات القومية والشعبوية في القارة، وقد يشجع أحزاباً مماثلة في دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا على تحدي المؤسسات الأوروبية بجرأة أكبر. في هذا السياق، ستتآكل قدرة الاتحاد على الحفاظ على جبهة موحدة في القضايا الكبرى، خصوصاً في ظل أزمات مثل الحرب في أوكرانيا والضغوط الاقتصادية.
في موازاة ذلك، يُرجّح أن يتفاقم شلل اتخاذ القرار داخل بروكسل، إذ يمنح نظام الإجماع دولاً مثل المجر قدرة على تعطيل قرارات استراتيجية، كما حدث في ملفات العقوبات على روسيا ودعم كييف. وهو ما يدفع ألمانيا وغيرها إلى تبني التصويت بالأغلبية لتجاوز استخدام الفيتو. ومع استمرار نهج أوربان القائم على الانفتاح على موسكو، قد يتعمق الانقسام داخل الاتحاد بشأن العلاقة مع بوتين، ما يضعف الموقف الأوروبي الموحد. هذا التباين مرشح للتصاعد إلى صراع مؤسسي عبر تجميد التمويل أو اللجوء إلى آليات قانونية، ما قد يزيد من عزلة بودابست ويضاعف الضغوط الاقتصادية، لكنه يعمّق أزمة الثقة بين الدول الأعضاء ويهدد تماسك الاتحاد.
البعد الأميركي: مشروع أوسع من مجرد انتخابات
لا يمكن فهم الدعم الأميركي لأوربان بمعزل عن التحولات الأيديولوجية داخل الولايات المتحدة، لا سيما مع صعود التيار المحافظ المرتبط بترامب. فبالنسبة لهذا التيار، لا يُنظر إلى أوربان بوصفه حليفاً تقليدياً بل نموذجاً سياسياً لإعادة تشكيل التوازن داخل أوروبا، عبر دعم أنظمة تميل إلى السيادة الوطنية وتناهض القيم الليبرالية. في هذا الإطار، تندرج تصريحات جي دي فانس وانتقاداته لبروكسل ضمن خطاب أوسع يسعى إلى تقويض نفوذ المؤسسات الأوروبية وفتح المجال أمام تحالفات بديلة قائمة على القومية.
ويعكس هذا التوجه رؤية تتجاوز الانتخابات المجرية، إذ تشير تحليلات مراكز أبحاث مثل معهد بروكينغز إلى أن أوروبا تمر بمرحلة إعادة تشكّل، وأن دعم شخصيات مثل أوربان قد يسرّع هذا التحول. ففي حال خسارته، قد يتراجع هذا المشروع ويفقد أحد أبرز رموزه. أما إذا فاز، فسيمنح زخماً للتيارات المشابهة، وقد يفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة بين ضفتي الأطلسي، بحيث تصبح أوروبا أقل تماسكاً وأكثر عرضة لتأثيرات خارجية.
إجمالاً، تتجاوز انتخابات المجر إطارها الوطني لتتحول إلى ساحة مواجهة جيوسياسية وأيديولوجية. فالدعم الأميركي لأوربان، مقابل اتهاماته للاتحاد الأوروبي بالتدخل، يعكس تصاعد الاستقطاب بين ضفتي الأطلسي. أما فوزه المحتمل، فقد يشكل تحدياً مباشراً لوحدة الاتحاد الأوروبي ويدفع القارة إلى مرحلة جديدة من الانقسام السياسي.